للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ذلك بالفعل في اللغة العربية. يروي الشيخ شمس الدين أحمد المعروف بديكنقوز أن "الابتداء بالساكن إذا كان مصوتا أعني حرف مد ممتنع بالاتفاق. وأما الابتداء بالساكن الصامت أعني غير حرف المد فقد جوزه قوم"١.

وهذا الذي ذكره هذا الشيخ لا يخلو من واحد من اثنين. فهو إما تجويز من المتكلمين "أو بعضهم على حد هذه الرواية" أي: وقوعه منهم. وهذا أهم شيء في الموضوع، إذ المتكلم -في نظرنا- هو مصدر القواعد اللغوية وأساسها الأول. وإما أنه تجويز من بعض العلماء. وهو احتمال يؤدي إلى النتيجة نفسها، إذ من المفروض -بل من المحتم- أن يستنبط العلماء قواعدهم من الواقع اللغوي المنطوق بالفعل.

ومعنى ذلك في الحالتين أن النطق بالساكن في ابتداء الكلام ظاهرة حقيقية وقعت في كلام الناس في فترة من تاريخ العربية. غاية الأمر أن بعض الدارسين استطاعوا بقوة ملاحظتهم ودقة حسهم أن يدركوا هذه الظاهرة الصوتية. على حين عجز آخرون عن هذا الإدراك، إما لصعوبة ذلك عليهم. أو لعيوب ترجع إلى ذوات أنفسهم. ولكن ذلك بالطبع لا يقدح في حقيقة الموضوع. وهي حدوث ظاهرة النطق بالساكن في ابتداء الكلام في العربية أو إحدى لهجاتها، كما تشير إلى ذلك تلك الرواية السابقة.

ولعلنا إذا رجعنا في التاريخ اللغوي قليلا إلى الوراء استطعنا أن نعثر على بعض الحقائق العلمية التي من شأنها أن تقوي هذا الادعاء الذي ندعيه أو هذا الافتراض العلمي الذي نفترضه.

تروي لنا كتب اللغة أن ظاهرة النطق بالساكن في أول الكلام ليست ظاهرة غريبة عن اللغات السامية، أو عن بعضها في أقل تقدير، إذا قصرنا


١ شرح مراح الأرواح ص١٢٠، والمراد بالساكن في قوله: "الساكن الصامت" المشكل بالسكون أي: غير المتلو بحركة والمقصود بالصامت هو ما يطلق عليه Consonant بالإنجليزية.

<<  <   >  >>