للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

١- قصور المعنى "القاموسي":

١- قد يتصور بعض المبتدئين في الدراسة اللغوية أن "علم الدلالة" أو "دراسة المعنى" مقصور على اللغات التي لم يوضع لها بعد "معاجم" أو "قواميس" فاللغات ذات المعاجم في غنى عن هذه الدراسة؛ لأن "المعاجم" تمدنا بمعاني الكلام.

وهذا تصور خاطئ لأن "المعنى القاموسي" أو "المعنى المعجمي" ليس كل شيء في إدراك معنى الكلام، فثمة عناصر "غير لغوية" ذات دخل كبير في تحديد المعنى، بل هي جزء أو أجزاء من معنى الكلام: وذلك كشخصية المتكلم، وشخصية المخاطب، وما بينهما من علاقات، وما يحيط بالكلام من ملابسات وظروف ذات صلة به، كالجو مثلا، أو الحالة السياسية، إلخ.

ومن حضور غير المتكلم وغير المخاطب، وعلاقتهم بهما.

إن عبارة مألوفة مثل "صباح الخير" قد يكون لها من المعاني عشرة أو أكثر إذا نظرنا إليها من حيث السياقات التي تقع فيها، أي إذا أدخل الدارس في اعتباره العناصر الاجتماعية غير اللغوية التي أشرنا إلى بعضها.

وكل هذا لا يتضح على أجلى وجه إلا فيما يسمى "الكلام الحي" الذي نستطيع أن نسجل فيه نطق الكلام، والذي تتضح فيه خصائصه البارزة مثل التنغيم، والارتكاز، والذي نستطيع معه أن نتحقق من شخصيتي المتحادثين أو من شخصيات المتحادثين، وأن نحدد ما بينهما أو ما بينهم من علائق، وأن ندرك الظروف الملابسة للكلام.

وخير ما يوضح لنا ارتباط الكلام بما أشرنا إليه من الشخصية والملابسات هو لغة المسرح، فنحن نرقب الأحداث وهي تتتابع، وكل شخصية أمامنا واضحة المعالم محددة مما يتيسر معه أن نفهم معنى كل قول على خير وجه وأدقه١: قد


١ إن لغة الحوار المسرحي لو فصلت عن التمثيل وقرئت مكتوبة لاحتاجت إلى حرص وعناية لفهم المقصود منها. فالحركة والإشارة وتتابع الحوادث، ومشاهدة الشخصيات، وإدراك السياق، كل ذلك وسواه يعين على تفهم المقصود من الكلام عندما تمثل المسرحية.

<<  <   >  >>