للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقد وصفوا اللسان بأنه عصب وقاطع وجارح، كما وصفوا الخطيب بأنه لوذعي، يقول شاعرهم١:

هو الشجاع والخطيب اللوذعي ... والفارس الحازم والشهم الأبي

ولعل من الطريف أننا نجدهم يصفون خطابهم بأنها كالوشي المنمق، ففيها تدبيح، وتزيين يشبه ما يجدونه في الثياب اليمانية الموشاة، يقول أبو قرد ودة الطائي في رثاء ابن عمار خطيب طيئ، وقد مات مقتولًا٢:

يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا ... ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبرة٣

ويقول فيه أيضًا:

ومنطق خرق بالعواسل ... لذ كوشي اليمنة المراحل٤

فأبو قردودة يحس في خطب ابن عمار ما يحسه في وشي الحلل المنمقة، وهو إحساس بالغ، عبر به هو وأضرابه عن عنايتهم بخطابتهم، ومقدار ما كانوا يحققون لها من مهارة وصنعة، وبلغ من جمال بعض خطبهم أن اقترحوا لها أسماء، وإن كانوا يحفظونها ويتوارثونها، لروعة بيانها وجودة فصاحتها وبلاغتها، يقول الجاحظ: "ومن خطب العرب العجوز، وهي خطبة لآل رقبة، ومتى تكلملوا فلا بد لهم منها، أو من بعضها ومنها العذراء، وهي خطبة قيس بن خارجة في حرب داحس والغبراء، سميت بذلك؛ لأنه كان أبا عذرها٥.

والحق أن خطباء العصر الجاهلي نهضوا بخطابتهم نهضة واسعة، ولذلك لم يكن غريبا أن يستمع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بعضهم وهو يخطب، فيقول: "إن من البيان لسحرا" ٦. ولم يكن هذا البيان الساحر شيئا خاصا بهذا الخطيب، بل كان شيئا عاما بين الخطباء، إذ ذهبوا جميعا مذهب التجويد والتحبير، حتى يستميلوا الأسماع ويخلبوا الألباب.


١ أغاني "طبعة دار الكتب" ١١/ ١٥٠.
٢ انظر في التبيين التاليين البيان والتبيين ١/ ٣٤٩.
٣ الإزاء في البيت: مصب الماء في الحوض، واليمنة: ضرب من برود اليمن.
٤ العواسل: الرماح، المراحل: جمع مرحل، وهو ما نقش فيه تصاوير الرحال.
٥ انظر البيان والتبيين ١/ ٣٤٨.
٦ نفس المصدر ١/ ٥٣.

<<  <   >  >>