للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[الفصل الثالث: الصنعة في النثر العباسي]

١- النثر العباسي:

خلفت الدولة العباسية دولة بني أمية، واتخذت بغداد حاضرة لها تاركة شئون الحكم للفرس الذين قضوا قضاء مبرمًا على الأمويين، وبذلك أصبحوا هم السادة الحقيقيين، فلم يعد العرب يتصدرون مكان السيادة، ولم تعد لهم أرستقراطيتهم، كما كان شأنهم في العصر الأموي، فقد أبعدوا غالبًا عن المناصب الكبرى في الإرادة والجيش، وأصبحوا لا يستطيعون الدخول على الخليفة، إلا إذا لهم الموالي من الفرس، أمثال البرامكة وبني سهل، ممن أمسكوا بزمام الأمور.

وبذلك عمت الروح الفارسية في الحياة العباسية، حتى الخليفة نفسه لم يعد كأسلافه الأمويين يمثل شيخا كبيرًا من شيوخ القبائل العربية، بل أصبح خلفا لملوك الفرس الساسانيين، فله وزراؤه وحجابه وبلاطه، وله نفس التقاليد الفارسية في التشريفات، ويعيش معيشة مترفة، وإذا كان أبو جعفر المنصور عرف بالاعتدال في الاتصال بهذه الحياة الجديدة، فإن من خلفوه أقبلوا عليها إقبالا شديدا.

وكان تقدم الفرس على العرب في شئون الحكم سببا في اصطدام هائل بين العرب والموالي، وسرعان ما ظهرت نزعة الشعوبية١، إذ أخذ جماعة من علماء العجم، وأدبائهم يطعنون في عرب الجاهلية لبعدهم عن أسباب الحضارة


١ انظر الفصل الخاص بهذه النزعة في الجزء الأول من ضحى الإسلام.

<<  <   >  >>