للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لا نحصي ثناءً عليك ولا مدحاً

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أراد ما العباد فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه.

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: عباد الله! فأوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلن، وخشيته تبارك وتعالى في الغيب والشهادة، فإن تقوى الله أزين ما أظهرتم، وأكرم ما أسررتم، وأعظم ما ادخرتم.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج:١ - ٢].

عباد الله! لا أحد أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه، ومن آيات القرآن العظيم التي أثنى الله جل وعلا على ذاته العلية، وأخبر فيها جل ذكره عن بعض صفاته وما تمدح به، قول ربنا تبارك اسمه، وتعالى جده، في سورة الأعراف: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:٥٤].

عباد الله! لفظ الربوبية يشعر السامع بالأمان، ذلك أن العبد إذا علم أن له رباً يشفيه إذا مرض، ويرزقه إذا جاع، ويعطيه إذا سأل، شعر بعد ذلك بطمأنينة النفس وسكينة القلب.

ثم أخبر الله جل وعلا عن بعض صفاته معرفاًَ بذاته العلية، ولا أحد أعلم بالله من الله، قال جل شأنه: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الأعراف:٥٤]، والخلق من أعظم صفاته جل وعلا، إذ لا خالق غيره تبارك وتعالى، وخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، خلقهن جل وعلا في ستة أيام، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليعلم خلقه التؤدة والأناة، خلقهن جل وعلا في ستة أيام، خلق الأرض أولاً في يومين، ولم يكمل خلقها، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فأكمل خلقها، ثم خلق تبارك وتعالى بعد ذلك الأرض وأكملها، قال جل ذكره، {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت:١١]، خلقهن جل وعلا في ستة أيام، وقدر فيها أقواتها، وبارك فيها تبارك وتعالى رحمة بعباده وتسخيراً لهم، ثم قال جل شأنه، وتبارك اسمه: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف:٥٤]، والعرش سقف المخلوقات، سرير له قوائم تحمله الملائكة، قال جل شأنه: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة:١٧]، والله جل وعلا كما أخبر مستو عليه استواءً يليق بجلاله وعظمته، نؤمن به ولا نعرف كيفيته؛ لأن الوصول العلمي إلى أي شيء نريد أن نعلم كنهه وكيفيته لا يخلو من إحدى ثلاث: إما أن نراه، وإما أن يصفه لنا من رآه، وإما أن نقيسه على مثله.

وكل هذه الطرائق الثلاث منتفية في حق ربنا تبارك وتعالى معنا، فنحن لم نر ربنا، ولم يره غيرنا حتى يصفه لنا، وليس لله مثيل ولا ند ولا شبيه حتى نقيسه عليه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:١١].

العرش -أيها المؤمنون- سقف المخلوقات، قال صلى الله عليه وسلم يخبر عن الساعة وقيامها: (فأكون أول من يفيق، فإذا بموسى آخذ بقوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أم جوزي بصعقة الطور)، منه تتفجر أنهار الجنة، وهو أعلى الجنة، والفردوس أعلى الجنة، وهو من العرش.

<<  <  ج: ص:  >  >>