للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[أدب الأنبياء والأولياء مع الله تعالى]

قال تعالى: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف:٨٢].

تأمل -أيها المبارك- أدب الخضر مع ربه جل وعلا، فإنه لما تكلم عن خرق السفينة نسب الخرق إلى نفسه فقال: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف:٧٩]، ولما ذكر الخير وذكر الفلاح وذكر النجاح نسبه أدباً إلى ربه جل وعلا قال: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا} [الكهف:٨٢]، وقال في الأولى: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} [الكهف:٨١]، والأدب مع الله هو الدين كله، ونبينا صلى الله عليه وسلم كما هو قدوة في كل فضل، فهو القدوة في الأدب عليه الصلاة والسلام مع ربه جل وعلا، (فإنه وقف ذات يوم يخطب على منبر مسجده فدخل رجل يشتكي إليه قلة الأمطار وجدب الديار وقال: يا رسول الله! ادع الله أن يغيثنا، ادع الله أن يرحمنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللهم اسقنا! اللهم أغثنا!)، فمن الله على أهل المدينة في ذلك اليوم بالسحاب والمطر، فبعد جمعة دخل رجل من نفس الباب يشتكي ما أضرت به السيول من جعلها تقطع الطرق بين الناس فقال: يا نبي الله! ادع الله أن يمسكها عنا، فلقد تضرر الناس، فكان عليه الصلاة والسلام في ذروة الأدب مع ربه؛ لأنه يعلم أن الغيث رحمة، ونبي الله أكمل وأعظم من أن يدعو الله أن يمسك رحمته، لكنه كان رفيقاً رحيماً بأمته، قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر)، قال أنس رضي الله عنه وأرضاه: فوالله ما أشار إلى ناحية إلا اتجه السحاب إليها صلوات الله وسلامه عليه.

والغاية أيها المؤمنون! أن يتحلى الإنسان بأدب الأنبياء مع ربهم تبارك وتعالى، ونبينا عليه السلام ورث هذا عن أبيه إبراهيم عليه السلام، فإن إبراهيم أخبر الله جل وعلا عنه أنه قال: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:٧٥ - ٧٧]، ثم أخذ يصف ربه فقال: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء:٧٨ - ٨٠]، فنسب الخلق والرزق والإطعام والشفاء إلى الله، ونسب المرض إلى نفسه، مع أنه يعلم أن الله خالق الشفاء والمرض، لكنه الأدب مع الرب جل وعلا، رزقنا الله وإياكم الأدب معه، وعلمنا الله وإياكم ما ينفعنا، ونفعنا بما علمنا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

<<  <  ج: ص:  >  >>