للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[(وإني سميتها مريم)]

عباد الله! قالت تلك المرأة المنكسرة إلى ربها: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} [آل عمران:٣٦]، أي: ليس بمقدوري أن أخلقها ذكراً أو أنثى، لكن جعلت لي القدرة أن أسميها، فسمتها مريم، وهي بلغتهم: خادمة الرب، حتى لا يفوتها شيء من برها مع خالقها جل وعلا، قالت: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران:٣٦]، هذا دعاء تقبله الله العظيم الجليل رب الأرض والسماء، قال الله: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} [آل عمران:٣٧]، قال صلى الله عليه وسلم نبينا وهو الصادق المصدوق: (ما من مولود يولد إلا ويطعنه الشيطان فيستهل صارخاً إلا ما كان من مريم وابنها)؛ لأن الله جل وعلا تقبل دعاء هذه المرأة المباركة، فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً، قال: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران:٣٧]، زوج خالتها، قال الله: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} [آل عمران:٣٧]، وقد كانت مريم ملازمة للعبادة، فاتخذت في بيتها محراباً تصلي لله لا تفتر فيه، من صلاة وقنوت وعبادة لخالقها، فكان الله جل وعلا يكرمها بطعام يأتي إليها من غير كد ولا تعب، وزكريا هو المسئول عنها القائم بكفالتها، فهو لم يأذن بهذا الطعام، ولم يأت به أصلاً، فلما وجد ذلك الطعام بين يديها تعجب: من الذي أتى به؟ من الذي استأذنه أن يأتي بالطعام؟ فكان حرياً به أن يسألها، وكذلك يعلم القرآن أتباعه: أن الإنسان مسئول عما استرعاه الله جل وعلا، فلا حرج عليه وهو يحبهم ويودهم ويشفق عليهم أن يتفقد أحوالهم، ويسأل عنهم، ويبحث في الأمور خاصها وعامها حتى يقوم بواجب القيام على من أوكل الله إليه أمره على خير قيام، فسألها: {يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران:٣٧]، كان ذلك كرامة من الله لها، فذكر ذلك الأمر زكريا بحاله ففزع إلى ربه، وهو رجل قد احدودب ظهره، واشتعل الرأس شيباً، وبلغ من الكبر ما جاوز به المائة في أظهر أقوال المفسرين، وامرأته عاقر، لكن ما رآه من إكرام الله لتلك المرأة الصالحة جعله يتذكر حاله ويسأل ربه، قال جل وعلا مخبراً عن ذلك: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران:٣٨]، قال الله جل وعلا يصور هذا النداء في صورة أخرى: {كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} [مريم:١ - ٣]، في مكان خلي، بصوت خفي، وقلب تقي، ينادي زكريا رباً علياً، لا رب غيره، ولا إله سواه، {قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران:٣٨]، قال الله: {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ} [آل عمران:٣٩]، وهم خلق مكرمون، أعظم أنصار المؤمنين بقدر الله، يتوخون الأماكن الفاضلة الشريفة التي يذكر الله جل وعلا فيها، فلما حملت الملائكة البشارة من الله إلى زكريا اختارت وقتاً وحالاً وموطناً شريفاً حتى تبلغ فيه البشارة والرسالة لزكريا، قال الله: {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} [آل عمران:٣٩]، وهذا هو الموطن الحقيقي لأولياء الله جل وعلا، أماكن العبادة التي يعبدون الله جل وعلا فيها، فما أجمل أن يتخذ المرء في بيته مكاناً يتعبد الله جل وعلا فيه، قال الله: {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران:٣٩]، وهنا غلبت على زكريا بشريته، فتذكر الأسباب المانعة من كونه يرزق ولداً، {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} [آل عمران:٤٠]، فجاء الجواب الرباني الإلهي: {قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [آل عمران:٤٠]، فأحب أن يكون له آية، قال العلماء: إن الإنسان يحب مقدمات اللطف، وبشائر الفرح، قبل أن تقع عين رحمة الله جل وعلا عليه: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} [آل عمران:٤١]، وهو يعلم أن وعد الله حق، ولكنها البشرية التي لا ينفك عنها أحد، قال الله جل وعلا: {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} [آل عمران:٤١]، فتبقى صامتاً لا تستطيع الكلام مع قدرتك عليه وكمال خلقتك، ثم قال له: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ} [آل عمران:٤١]، وذكر الله -أيها المؤمنون- حياة الضمائر، وأنس السرائر، وأقوى الذخائر، فقد أمر الله به في ساحات الوغى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال:٤٥]، بل أمر الله جل وعلا به في كل محفل وموطن، إلا ما استثناه الشرع من أماكن معلومة، قال الله جل وعلا: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران:١٩١].

<<  <  ج: ص:  >  >>