للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الموت حقيقة لا مفر منها]

الحمد لله الذي خلق خلقه أطواراً، وصرّفهم كيف ما شاء عزة واقتداراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله.

عباد الله! وإن مما خلقه الله جل وعلا وجعله أطواراً في بني آدم: أنه جل وعلا كتب عليهم قبل لقائه ساعة ضعف يؤمن فيها الفاجر، ويبصر فيها الكافر، ويعاين فيها المرء الموت، فقد أذل الله بالموت جبروت الأكاسرة، وأذل به عنفوان القياصرة، كتبه الله جل وعلا على كل نفس، قال جل ثناؤه، وتباركت أسماؤه: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران:١٨٥]، بل كتبه على سيد خلقه وأشرف رسله: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر:٣٠]، {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران:١٤٤]، وهذا النبي الخاتم يسّر الله القرآن على لسانه، قال الله جل وعلا: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} [مريم:٩٧]، ومع علو فصاحته، وجميل بلاغته صلوات الله وسلامه عليه، فقد عجز في يوم مرض وفاته وهو ينظر إلى السواك وهو سيد الفصحاء وإمام البلغاء أن ينطق بكلمة: هات السواك، فلم يقدر إلا أن ينظر إلى السواك ويحدِّق النظر فيه، لتفهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مراده، فتأخذ السواك فتقضمه وتطيبه، ثم تعطيه إياه صلوات الله وسلامه عليه، وقبل ذلك كان يضع يده في ركوة فيها ماء ويقول: (لا إله إلا الله، اللهم إن للموت لسكرات، فأعني على سكرات الموت)، هذه اللحظات لا مفر منها، ولا محيد عنها، قد تكون ساعات، قد تكون دقائق، قد تكون لحظة لا يعلمها من حولك، قال الله جل وعلا: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} [المؤمنون:٩٩]، وقال جل وعلا قبل ذلك: {فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} [الواقعة:٨٣] أي: الروح ((وَأَنْتُمْ)) أي: من حول الميت {حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} [الواقعة:٨٤] أي: إلى الميت ((وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ)) أي: ملائكة الرحمن ((أَقْرَبُ إِلَيْهِ)) أي: أقرب إلى الميت ((وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ)) على أنكم تلامسونه، لكنكم لا ترون الملائكة {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ} [الواقعة:٨٥] أي: لا تُبصرون الملائكة وهي تنزع الروح {فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} [الواقعة:٨٦] أي: تزعمون أنه لا عودة ولا بعث ولا نشور ولا حساب {فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا} [الواقعة:٨٦ - ٨٧] أي: أعيدوا الروح التي قبضناها {إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الواقعة:٨٧]، وأنى لهم ذلك وقد كتب الله ألا يجعل ذلك بيد أحد منهم؟! هذه اللحظات يمر فيها على الإنسان كل ما مضى من أيامه، عندها عياذاً بالله يتمنى الفاجر، يتمنى الفاسق، يتمنى الكافر أن يعود، قال الله في سورة المؤمنون: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] قال الله: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} [المؤمنون:١٠٠] مجرد كلمة، ثم قال الله: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون:١٠٠]، فبعضنا ينعّم جعلنا الله جميعاً من أهل ذلك، والآخرون يعذّبون أعاذني الله وإياكم من ذلك، ثم يكون البعث والنشور؛ والمقصود -أيها المؤمنون- من هذه العبارة: أن ينظر الإنسان في صنيعه وأعماله وأقواله، ويتقي الله جل وعلا فيها، فالمؤمن إذا حسنت سريرته، وسلمت نيته، وصدق في توجهه إلى الله جل وعلا، فإن الله جل وعلا كريم لا يهلك عليه إلا هالك، فمن رزق سريرة صالحة، وحسن توجه إلى الله، وكان أعظم ما أهمه في الدنيا وفادة على ربه أحسن الله جل وعلا وفادته عليه، فالقدوم على الله لحظات يختم بها للمرء، وينتقل فيها من حال إلى حال، فنعم العبد عبد أحسن الله جل وعلا وفادته عليه، وختم له بخير، قال صلى الله عليه وسلم: (من كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله دخل الجنة)، اللهم املأ قلوبنا محبة لك، وتعلقاً بك، وحسن ظن بك يا رب العالمين! اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، اللهم كلنا إلى رحمتك وإحسانك وبرد عفوك يا ذا الجلال والإكرام! ألا وصلوا وسلموا على خير من ختم له بخير، الزهري أماً، الهاشمي أباً، أطهر الناس بيتاً ونسباً، صلى الله عليه، فإن الله يقول: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:٥٦]، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وارض الله عن أصحاب نبيك أجمعين، وخُّص اللهم منهم الأربعة الراشدين، وارحمنا اللهم معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم اغفر لنا في جمعتنا هذه أجمعين، اللهم إنا نسألك حسن الوفادة عليك، اللهم إنا نسألك حسن الوفادة عليك، اللهم إنا نسألك حسن الوفادة عليك، اللهم وفق ولي أمرنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.

عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون

<<  <  ج: ص:  >  >>