للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[آل عمران هم بيت رفع الله شأنهم]

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرض والسموات، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، ختم الله به الرسالات، وأتم به النبوات، فصلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه، كما وحد الله وعرف به ودعا إليه، اللهم وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: عباد الله! فإن تقوى الله جل وعلا أولى الوصايا، وأجل العطايا: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء:١٣١]، ثم اعلموا عباد الله! أن لله جل وعلا عباداً اختصهم تبارك وتعالى بعظيم العطايا، وجليل الصفات، من العلوم النافعة، والأعمال الصالحة، والقلوب الخاشعة، وهؤلاء الكبار ذكر الله جل وعلا بعضاً منهم في سورة جليلة من كتابه العظيم سميت بإحدى تلك الأسر المباركة، قال الله جل وعلا في سورة آل عمران: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران:٣٣]، هذه بيوتات رفيعة منّ الله جل وعلا على أهلها ذكوراً ونساء بمعرفتهم بربهم، مع صلاح القول والعمل، والتأهب ليوم المعاد، فآل عمران -أيها المباركون- أهل بيت طيب أثنى الله جل وعلا عليهم في كتابه، وسميت سورة عظيمة من سور القرآن باسمهم، في أخبارهم عظات، وفي أنبائهم جلائل ما يمكن أن ينتفع به المرء في أمر دينه ودنياه، قال الله جل وعلا ولا أحد أصدق من الله: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران:٣٣ - ٣٤]، فقد ذكر الله فيها أن زوجة عمران قبل أن يتوفى زوجها حنت إلى الولد، فلما أعطاها الله جل وعلا سؤلها، وحقق مرادها، حملت ونذرت أن يكون ذلك الحمل خادماً للرب في مسجده، ملازماً لطاعته؛ ظناً منها أن الحمل ذكر، ثم قدر لعمران زوجها أن يتوفى، فأخذت تلك المرأة تشتد في تضرعها إلى ربها بأن يكون المولود له، قالت: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} [آل عمران:٣٥]، والناس يحبون الأولاد ذكوراً وإناثاً للأنس بهم، والاستنصاف، والعون على ما كتب الله جل وعلا من نوائب الدهر، لكن تلك المباركة لما اطمأنت إلى وجود الحمل أرادت أن يكون حملها خالصاً لربها تبارك وتعالى، بمعنى: أنها لا تريد من ابنها حضها من الولد؛ بأن يخدمها ويقوم بأمرها ويبرها، بل تريده أن يكون كاملاً لربه جل وعلا يخدم البيت المقدس ويصلي لربه، قالت: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} [آل عمران:٣٥]، ثم قدر لها أن تضع فإذا هي ترزق بأنثى، فتقول في انكسار بين يدي ربها: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} [آل عمران:٣٦]، ولا ريب أن الله جل جلاله يعلم ما الذي وضعته هذه المرأة المباركة، قال الله: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} [آل عمران:٣٦]، ثم قال ربنا وهو الخالق للذكر والأنثى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} [آل عمران:٣٦]، ولا ريب أن الله جمل الرجل بخصائص وجمل النساء بخصائص، فما كان للرجال أن يطلبوا ما لم يخلقهم الله له، ولا يكون للنساء أن يطلبن ما لم يخلقهن الله له، ولهذا صح في الحديث: (أن نبينا صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال)، وأخبر الله جل وعلا أنه لا يجوز لأحدهما أن يتفضل على الآخر بما ليس له، ولا يتمناه أصلاً فقال: {وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء:٣٢].

<<  <  ج: ص:  >  >>