للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فهو حمل الرسالة الإسلامية إلى الناس، وإن كان من نتائج هذا الحمل كرامة المسلمين، وتمكينهم في الأرض وسهولة العيش. وهذا معنى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: ١١١] .

والرسول -صلى الله عليه وسلم- يحذر من هذا الانتكاس في التصور، والفهم الذي يضع الوسائل في موضع الأهداف حين يقول:

"إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أدخل الله عليهم ذلا لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم" ١.

ويقول كذلك:

"بعثت مرحمة وملحمة، ولم أبعث تاجرًا ولا زارعًا. ألا إن شرار الأمة التجار، والمزارعون إلا من شح على دينه" ٢.

ومن الطبيعي أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يقلل من قيمة الاقتصاد، ولا يحقر المهن التجارية والزراعية، وإنما أراد التنبيه إلى خطورة تحول الأمة الإسلامية من "أمة رسالة" تضحي بالمال والأنفس إلى "أمة سدنة" تتكسب بالرسالة لجمع المال ومتعة النفس؛ لأن حمل الرسالة هو الفارق الرئيس بين "أمة المؤمنين" و"أمة المنافقين". وفي ذلك يقول القرطبي: "وفي التنزيل: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} [التوبة: ٦٧] ثم قال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: ٧١] . فجعل تعالى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين، فدل على أن


١ مسند أحمد، جـ٢، ص٨٤.
٢ كنز العمال، جـ٢، ص٢٨٢ نقلًا عن أبي نعيم في الحلية.

<<  <   >  >>