للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

في سبيل انتصارها، إن الحياة السياسية تضطرنا دون انقطاع إلى افتراض معاني (كذا) معروفة: معاني تاريخية، معاني أخلاقية، إن الفن أكثر تواضعاً أو أكثر طموحاً، ففى نظره ليس هناك من شيء، معروف مسبقاً، وقبل العمل لا يوجد شيء، لا يقين ولا قضية ولا رسالة، فالظن أن عند الروائي شيئاً يريد أن يقوله، وأنه يبحث بعد ذلك كيف يقوله يمثل أخطر عمل مناقض للحقيقة (١).

هذا الإحساس بالضياع وعدم الانتماء في عالم يعج بالمعضلات الحضارية والمآسي الإنسانية، جعل الرواية المعاصرة تتخذ بطلها من نوع آخر ملائم لاتجاهها، ويستطيع المرء أن يعد نوعية البطل مؤشراً حقيقياً لتحديد الانتماء الفني وتطوره، فالأدب الكلاسيكي كان بطله هو ما يدل عليه المعنى الأصلي لكلمة بطل، ثم حولت الرومانسية بطلها إلى العاشق أو الصوفي، أما بطل الرواية الواقعية فهو غالباً الشهواني أو المادي، وفي أدب الضياع المعاصر نجد أن البطل هو الصعلوك أو المتشرد، أو هو -إجمالاً- ذلك الإنسان الذي مصيره الخيبة والدمار.

أمثلة من أدب الضياع (٢):

تصور أزمة إنسان عادي كان يعيش حياة طبيعية كسائر الناس يفاجأ برجال شرطة غريبين يلقون القبض عليه ويحاول عبثاً أن يعرف السبب، ويحدث أن تحال قضيته إلى محكمة غريبة في أشخاصها


(١) المصدر السابق: (٦٣).
(٢) هو فرانتس كافكا، أديب ألماني (١٨٨٣ - ١٩٢٤) اشتهر بهذه الرواية: انظر سلسلة تراث الإنسانية: (٥/ ٨٠٧).

<<  <   >  >>