للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ولكن أنفاسه لن تبلغ إلى هنالك لأنها أعجز من أن تقطع هذه المسافة الطويلة فأين الرسول الذي يقطعها؟ ولكن الرسول الإنسى كثيف، وكيف يمكن للكثيف أن يرقى في الهواء الرقيق - لا شك أنها محاولة مخفقة، فليلجأ الشاعر إلى الجن، إلى مادة نارية رقيقة غير كثيفة، ولكن أليس الجن قد حرمت عليهم معارج الرقى إلى السماء وشهب الرجم تتلقاهم بالموت، إذن فماذا بقي؟ لا الإنس يستطيعون ذلك ولا الجن يقدرون عليه فليبق الشاعر حيث هو يتنفس الصعداء ويرسل الدموع الحارة فذلك هو كل نصيبه في الحياة.

وتسأل لم اختار الشاعر بناء هذه الصورة بهذا التدرج الذي لا تجد فيه ثغرة؟ لأن أمامه فكرة معينة لا يريد أن يتخلى عنها وهي أن حبيبه هو " هلال السماء ".

وأحياناً تتميز قصيدته بالاندفاع الذي يسوق في طريقه انسجاماً عاماً في التعابير، وتفارق الشاعر خشونته إلا قليلاً، كما في هذه المقدمة الغزلية بقصيدة هنأ بها أبن ثقة الدولة بالسلامة من الجدري وفيها يقول (١) :

لا يطمعنك في السلو تكهلي ... أنا من علمت على الغرام الأول

إن كان غرّك ذا الوقار فإنه ... كالطيب يعبق في القميص وقد بلى

نسك نصب به حباله مطعم ... متعود قنص الغزال الأكحل

ولرب مأربة لبست لها الدجى ... وقضت بها زطراً لطافة مدخلي

أسرى كما تسرى النجوم لحاجتي ... والناس بين مدثر ومزمل


(١) عنوان الأريب ١: ١٣٣.

<<  <   >  >>