للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

آخر لعله أكثر من ذلك تعقيدًا، وهو أنه جانس بين أول كلمة في السجعة الأولى، وآخرها أي بين يخال ومخيلة، وكذلك صنع بالسجعة الثانية إذ جانس بين يحال وبحيلة، وإن في ذلك ما يجعلنا نخس أن يصعب على نفسه الممرات، التي يسلكها إلى نهاية قرائنه وأسجاعه، فهو يبدأ عبارته بكلمة، ثم يطلب الطجناس بينها، وبين آخر كلمة فيها، وهو يتخذ ذلك مصرًا عليه، إذ نراه يعدل إليه مرارًا في هذه الرسالة، وفي رسائله الأخرى، وتأمل هذه السجعة الطويلة في الرسالة: "أم من صفاقة الدهر مجن نبوه، فقد نبا عنه غرب كل حجاج، أم من قساوته مزاج إبائه، فقد أبى على كل علاج"، فإنك تراه يسجع العبارتين تسجيعًا داخليًا، فإذا هما تنحلان إلى أربع سجعات لا إلى سجعتين كما يبدو في الظاهر، ولكن ليس هذا ما يلفتنا عند قابوس، إنما يلفتنا أنه أنهى السجعة الداخلية الأولى بكلمة اشتق منها أخرى في مطلع الجملة التالية لها، وكذلك صنع السجعة الداخلية الثانية، أرأيت إلى الممرات كيف تعقد، وتصعب بطرق شتى؟ واستمر في الرسالة فستراه يأتي بطريقة ثالثة؛ إذ يجانس ببين كلمة في داخل العبارة، وبين نهايتها كقوله: "أضاء نجم الإقبال إذا أقبل، وأهل هلال المجد إذا تهلل"، ولا تظن أن هذه طرفة بل هي عقدة، فقد أصبح الفن في رأي قابوس عقدًا خالصة، وهو لذلك يعقد عباراته هذا التعقيد، الذي يصعب فيه الممرات إليها على نحو ما مر أمثلة، وكما نرى في هذه العبارات بالرسالة نفسها "تبرجت له الروج، وتكوكبت لعبادته الكواكب، واستجارت بعزته المجرة، وأثرت بمآثره أوضاح الثريا"، وما من ريب في أن هذه الجناسات تحمل أوسع سمات للتصنع، إذ نراه يلزق الجناس بكلامه تلزيقًا، وإن الإنسان ليشعر، كأنما فقد الجناس بهجته القديمة من الزخزف والتصنيع، فقد تحول إلى صورة جديدة؛ لأنها لا تحوي حسنًا ولا جمالًا، وهل هناك حسن أو جمال في قوله: "كنت ممن يرغب في راغب عن وصلته، أو ينزع إلى نازع عن خلته"، أو قوله: "يؤثل حالا عند من ينحت أثلته،

<<  <   >  >>