للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عاجلًا وآجلًا! وإن حَبَسَه وادَّخَره مَنَعه التَّمَتُّع به ونَقَلَه إلى غيره فيكون له مَهْنَؤُه وعلى مُخلِّفه وِزْرُه!

وكذلك من رَفَّه بدنه وعِرْضه وآثر راحته على التعب لله وفي سبيله؛ أتعبه الله سبحانه أضعاف ذلك في غير سبيله ومرضاته، وهذا أمر يعرفه الناس بالتجارب.

قال أبو حازم - رحمه الله - (١): لَمَا يلقى الذي لا يتقي الله من مُعَالَجة الخلق، أعظم مما يلقى الذي يتقي الله من مُعَالَجة التقوى (٢).

واعْتَبِر ذلك بحال إبليس؛ فإنه امتنع من السجود لآدم فِرَارًا أن يخضع له ويذل، وطلب إِعْزَاز نفسه؛ فَصَيَّره الله أذل الأذلين، وجعله خَادِمًا لأهل الفسوق والفجور من ذريته، فلم يرض بالسجود له ورضي أن يخدم هو وبنوه فُسَّاق ذريته. وكذلك عُباد الأصنام؛ أَنِفُوا أن يتّبعوا رسولًا من البشر، وأن يعبدوا إلهًا واحدًا سبحانه، ورضوا أن يعبدوا آلهة من الأحجار!

وكذلك كل من امتنع أن يَذِل لله، أو يَبْذُل ماله في مرضاته، أو يُتْعِب نفسه في طاعته؛ لابد أن يَذِل لمن لا يَسْوَى ويبذل له ماله ويُتعِب نفسه وبدنه في طاعته ومرضاته؛ عقوبة له؛ كما قال بعض السلف: من امتنع أن يمشي مع أخيه خطوات في حاجته، أمشاه الله تعالى أكثر منها في غير طاعته» (٣).


(١) هو: سلمة بن دينار المخزومي، أبو حازم، ويقال له: الأعرج، عالم المدينة وقاضيها وشيخها، فارسي الأصل، كان زاهدًا عابدًا، توفي سنة: ١٤٠ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ١٠١)، الأعلام للزركلي (٣/ ١١٣).
(٢) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٣/ ٢٤٥).
(٣) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (٢/ ١٩٤ - ١٩٥).

<<  <   >  >>