للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الأول: أن المشركين الأولين كانوا في الرخاء يدعون الله، ويدعون من يدعون من الملائكة والأنبياء والصالحين ويدعون أوثانهم. وأما في الشدة إذا نزلت بهم الضراء وألمَّت بهم الخطوب، وأحاطت بهم الأمواج كالظلل؛ فهم يخلصون ويفردون الله ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُون (٦٥)[العنكبوت]، وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِين (٢٢) فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس]، وهكذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار (٨)[الزمر].

أما مشركو أهل هذا الزمان؛ فيشركون في الرخاء والشدة، فمن يخالط أو يسافر مع مشركي هذا الزمان يراهم عند هيجان البحار وتلاطم الأمواج؛ يستغيثون بسادتهم وبمعظميهم، فالرافضي يقول: يا علي أو يا حسين! والصوفي يقول: يا بدوي أو يا سيدي أو يا فلان! وكلٌ له معظم يغلو فيه، ولا شك أن الذي يشرك في الرخاء والشدة أغلظ شركًا ممن لا يشرك إلا في الرخاء.

فحري بالمسلم أن يعرف الحق من الباطل، ويعرف أنواع الباطل والكفر والشرك؛ وحري به أن يعرف أن أحوال المشركين متفاوتة، فمن عنده بصيرة؛ فرق بين هذه الأصناف والأنواع.

<<  <   >  >>