للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

لا تقل: ماذا يصنع طالب مثلي ضعيف في أمة قوية؛ فإن الأندلس المسلمة كانت بالنسبة لعصرها أقوى وكان روادها من طلاب الفرنجة أضعف، ولكنهم استطاعوا على ضعفهم أن يصنعوا هذه القوة التي تُعجب بها أنت ويذوب فيها غيرك. إن الدهر يا أخي دولاب والأيام دول، وإن في الشرق أدمغة، وفي الشرق سواعد، وفي الشرق مال، ولكن ينقص الشرقَ العلمُ، فاحمله إليه أنت وأصحابك، وعودوا إلى الشرق شرقيين معتزين بشرقيتكم الخَيّرة العادلة كما يعتز الغربيون بغربيتهم الظالمة الطاغية، واعلموا أن مهمتكم ليست ورقة تنالونها قد تُنال بالغش والاستجداء والسرقة، ولكن مهمتكم أمة تُحيونها.

* * *

يا أخي: إذا وجدت واسعاً من الوقت فادرس أحوال القوم وأوضاعهم في معايشهم وتجارتهم وصناعتهم ومدارسهم، وابحث عن أخلاقهم ومعتقداتهم، على أن تنظر بعين الناقد العاقل الذي يدوّن الحسنةَ لنتعلمها والسيئةَ لنتجنبها، ولا تكن كهؤلاء الذين كتبوا عن باريس من أبناء العرب فلم يروا إلا المحاسن والمزايا، ولا كأولئك الذين كتبوا عن الشرق من أبناء الغرب فلم يبصروا إلا المخازي والعيوب، ولكن كن عادلاً صادقاً أميناً.

وإياك وهذه الحماقة التي يرتكبها بعض الكتّاب من الفرنجة حين يهرفون بما لا يعرفون ويقولون ما لا يعلمون، كهذا الأخرق الصفيق (١) الذي عمل أطروحة موضوعها «الحج» قدمها إلى


(١) المسيو تريس، أحد الجهلة الذين جعلهم الانتداب أساتذة في مدارسنا!

<<  <   >  >>