للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

مرة (١) -، فطلب سعد بن عبادة - رضي الله عنه - سيد الخزرج - العفو له من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قائلاً: «يا رسول الله اعف عنه، واصفح عنه، فوالذى أنزل عليك الكتاب، لقد جاء الله بالحق الذى أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البُحَيْرَة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعِصابة، فلما أبى الله ذلك بالحق الذى أعطاك الله، شَرِق بذلك، فلذلك فَعَل به ما رأيت ...». (٢)

كاتب المشركون في مكة عبد الله بن أبى بن سلول ليكيد للمسلمين ككيدهم في مكة، وقالوا فيما كتبوا: إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم. (٣) لم يتوان ابن سلول عند مجيئه مكتوب قريش أن جمع مشركى المدينة لمحاربة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلما بلغ أمرهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لهم: «لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تكيدون به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم». فلما سمعوا ذلك من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تفرقوا. (٤) تحسباً لهذا الخطر المحدق بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قام المسلمون ليلاً بالتناوب على حراسته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يمسه سوء إلى أن نزل قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: ٦٧]، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأصحابه: «يا أيها الناس انصرفوا عنى فقد عصمنى الله عز وجل». (٥)


(١) رواه الطبراني في الأوسط (٢٣٤)، وابن حبان في صحيحه (٤٢٩)، كلاهما عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: مر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على عبد الله بن أبي بن سلول، وهو في ظل، فقال: قد غبر علينا ابن أبي كبشة، فقال ابنه عبد الله بن عبد الله: والذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب لئن شئت لآتينك برأسه. فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته». قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عمرو إلا شبيب بن سعيد، تفرد به: زيد بن بشر. وقال ابن حبان: قال أبو حاتم - رضي الله عنه -: أبو كبشة هذا والد أم أم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كان قد خرج إلى الشام، فاستحسن دين النصارى، فرجع إلى قريش وأظهره، فعاتبته قريش حيث جاء بدين غير دينهم. فكانت قريش تعير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - به، وتنسبه إليه، يعنون بذلك أنه جاء بدين غير دينهم، كما جاء أبو كبشة بدين غير دينهم.
(٢) البخاري (٤٥٦٦)، ومسلم (١٧٩٨)، وأحمد، المسند (الفتح الربانى) (٢١/ ١٩ - ٢٠)، بإسناد صحيح.
(٣) أبو داود، السنن (٣٠٠٤)، وإسناده صحيح.
(٤) أبو داود، السنن (٣٠٠٤)، وأسناده صحيح.
(٥) الحديث رواه الترمذى (٣٢٥٠)، وحسنه الألبانى، إسناده في صحيح الترمذى.

<<  <   >  >>