للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقد سبق بيان جواز الحيلة للمستضعف، فإن جواز المداراة من باب أولى، بل إن تمكن المستضعف من تخليص نفسه بالمداراة ولم يحتج إلى الحيلة فهو أولى، والأمر هنا متعلق بقدرته على المداراة وتقديره لإمكانية الاكتفاء بها من عدمه، واستعمالها يختلف بحسب الأزمان والأحوال وبحسب المستضعِف؛ لأن المصلحة تتغير و"تختلف المصلحة باختلاف الأزمان، حتى أن مصلحة بعض أهل الأزمان في المداراة والمساهلة، ومصلحة أهل زمان آخر في الشدة والغلظة عليهم، إلى غير ذلك من الأحوال" (١).

وقد دل على مشروعية المداراة حديث عائشة -رضي اللَّه عنها- مرفوعًا قالت: استأذن على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رجل، فقال: (ائذنوا له، فبئس ابن العشيرة -أو- بِئْسَ أخو الْعَشِيرةِ)، فلما دخل أَلَانَ له الكلام، فقلت له: يا رسول اللَّه، قلت ما قلت، ثم أَلَنْتَ له في القول، فقال: (أي عائشة إن شر الناس منزلة عند اللَّه من ترَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ الناس اتِّقَاءَ فُحْشِهِ) (٢)، "والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه قول حق وفعله معه حسن عشرة، فيزول مع هذا التقرير الإشكال بحمد اللَّه تعالى" (٣).

و"في الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك من الجور في الحكم والدعاء إلى البدعة، مع جواز مداراتهم اتقاء شرهم، ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين اللَّه تعالى" (٤).


(١) الإحكام في أصول الأحكام، علي بن محمد الآمدي، تحقيق: د. سيد الجميلي، دار الكتاب العربي: بيروت، ط ١، ١٤٠٤ هـ، ٣/ ١٢٧.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب المداراة مع الناس، رقم: ٥٧٨٠، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب مداراة من يتقى فحشه، رقم: ٢٥٩١.
(٣) فتح الباري، ١٠/ ٤٥٤.
(٤) عون المعبود، ١٣/ ١٠٣.

<<  <   >  >>