للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومثال آخر أعم من الأول وهو قولهم: أنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة، ومثال ثالث أعم من الأول وأخص من الثاني، وهو قولهم: ليست داخلة في أجسام العالم ولا خارجة عنها، وقوله: "ولا مداخلة له ولا مباينة" هو بمعنى لا داخله ولا خارجه فمدلول العبارتين واحد، وقوله: "لا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تنزل، ولا هي اسم ولا عرض" هذه من جنس الأمثلة السابقة من حيث أنها سلب للنقيضين، ولا يوصف بها إلا ممتنع الوجود، وذكر لمن هذه الطوائف أنها تقول: أن الروح لا تدرك ولا تعقل إلا الأمور الكلية المطلقة وهي التي لا يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها ضد الجزئيات: أما الجزئيات والأمور المعينة المتشخصة في الخارج فلا تدركها، وهو قول باطل: فالروح كما تدرك الأمور العامة المشتركة، تدرك الأمور الجزئية المعينة، وذكر أنهم يفسرون الجسم بما لا يقبل الإشارة الحسية وهذا مجرد اصطلاح لهم في الجسم يخالفهم فيه جماهير العقلاء وقالوا بناء على هذا: أن الروح مما لا يشار إليه، وقوله "ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تلحقها بالمعدوم. والممتنع" يعني كقولهم: "لا هي حية ولا ميتة ولا عالمة ولا جاهلة " فكل هذه الأوصاف تلحق الروح بالمعدوم، بل بالممتنع فإن من لا تصح الإشارة إليه، ولا هو جسم ولا عرض، ولا متحرك ولا ساكن، ونحو ذلك يمتنع وجوده في الأعيان.

قوله:

وإذا قيل لهم: إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل. قالوا: بل هذا ممكن بدليل أن الكليات موجودة وهي غير مشار إليها، وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجود كلية إلا في الأذهان لا في الأعيان، فيعتمدون فيما يقولون به في المبدأ والمعاد على مثل هذا الخيال، الذي لا يخفى فساده على غالب الجهال.

<<  <  ج: ص:  >  >>