للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

لم يتداو به يغنه علمه، والرجل ذو المروءة قد يكرم على غير مال كالأسد الذي يهاب، وإن كان عقيرًا١، والرجل الذي لا مروءة له، وإن كثر ماله كالكلب الذي يهون على الناس، وإن طوق وخلخل٢، ليحسن تعاهدك نفسك بما تكون به للخير أهلا، فإنك إذا فعلت ذلك أتاك الخير يطلبك كما يطلب الماء السيل إلى الحدور".

وذلك هو أسلوب ابن المقفع فيما بقي بين أيدينا من آثاره، وهو أسلوب واضح شفاف، ليس فيه تعقيد ولا إغراب، وإنما فيه الاسترسال العذب، وفيه الألفاظ القريبة، والعبارات المبسطة حسب الأغراض والمعاني التي كان ينقلها، وكان ينفر نفورًا شديدًا من الأغراب في اللفظ والتوعر فيه، وكان يقول بعض من حوله: إياك التتبع لوحشي الكلام طمعا في نيل البلاغة، فإن ذلك هو العي الأكبر"، كما كان يقول: "عليك بما سهل من الألفاظ مع التجنب لألفاظ السفلة"، وسئل ما البلاغة؟ فقال: "التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها"٣.

وابن المقفع بهذه الوصايا يضع بين أيدينا أسس أسلوبه، وهو أسلوب جديد لا شك أنه كان من أوائل من ثبتوا حدوده ورسومه، أسلوب يقوم على التوسط بين لغة الخاصة، وما قد يكون فيها من إغراب في اللفظ ولغة العامة، وما قد يكون فيها من ابتذال، أسلوب عباسي مولد، يلائم فيه ابن المقفع بين حاجات عصره الثقافية، وبين مقومات العربية وأصولها اللغوية والنحوية، وكان يدفعه هذا الأسلوب دفعا إلى أن يدرس الألفاظ، ويختبرها ويقارن بينها ويفاضل، حتى يظفر منها بما يستوفي معانيه من جهة، وما يتيح لها ضربا من البلاغة من جهة ثانية.

وأكبر الظن أننا لا نسرف في القول حين نزعم أن ابن المقفع كان من أوائل من وطدوا هذا الأسلوب العباسي المولد، إن لم يكن أول من وطده وخاصة.


١ عقيرًا: جريحًا.
٢ طوق وخلخل: لبس الطوق والخلخال.
٣ انظر في هذه النصوص أمالي المرتضى ١/ ١٣٧.

<<  <   >  >>