للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ولا يمكن وضع حد منضبط للإكراه؛ لكونه يختلف باختلاف النظر في حال المستضعف وقدرته وصبره ومكانته، وبحسب حال المستكبر الذي وقع منه الإكراه، وكذلك الأمر المكره عليه، فليس الإكراه على الكفر كالإكراه على المعصية، وليس الإكراه على مجرد القول كالإكراه على القول والفعل أو مجرد الفعل وهكذا (١).

وربما يحسن بعد ذكر هذه الشروط والضوابط التأكيد على الأمور التالية:

١ - أن الضرورة لا تخالف النص أو الإجماع، بل هي حكم بخلاف الدليل لدليل شرعي خاص أو عام، وهي مخالفة مستندة إلى أدلة شرعية أخرى (٢)؛ كما أن المستضعف أو المستضعفين تختلف أحوالهم، فقد يقع في حالة من الاضطرار لا يتأتى معها مثل هذا التأمل والنظر، لاسيما مع ضيق الوقت للنجاة أو اتخاذ القرار، فليس له حينئذ إلا الرجوع لما ذكر سابقًا، وهو أن المستضعف فقيه نفسه، وذلك وفقًا للشروط المذكورة.

قال ابن القيم رحمه اللَّه: "كلام الأئمة وفتاويهم في الاشتراط والوجوب، إنما هو في حال القدرة والسعة، لا في حال الضرورة والعجز؛ فالإفتاء بها لا ينافي نص الشارع، ولا قول الأئمة، وغاية المفتي بها أنه يقيد مطلق كلام الشارع بقواعد شريعته وأصولها، ومطلق كلام الأئمة بقواعدهم وأصولهم، فالمفتي بها موافق لأصول الشرع وقواعده، ولقواعد الأئمة" (٣).

٢ - أهمية مراعاة الضوابط المذكورة، وضرورة التقيد بها قدر المستطاع، ومن المهم أن يكون الحرص عظيمًا على الالتزام بالأصل، والعودة إلى حكمه، وعدم الركون للاستثناء،


(١) انظر: الفتاوى الكبرى، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، دار الكتب العلمية: بيروت، ط ١، د. ت، ٥/ ٤٨٩.
(٢) انظر: الحاجة وأثرها في الأحكام، ١/ ٣٤٧ - ٣٤٨.
(٣) إعلام الموقعين، ٣/ ٣١ - ٣٢.

<<  <   >  >>