للانتقال للموقع القديم اضغط هنا
<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

هو ناشئ عن اختلاف نظم الأفكار؛ ومن أجل هذا اختلفت فاعلية الحلول التي تطبقها ففي الصين تعالج المشكلة بتجنيد المجتمع لقتل الذباب، بينما في أميركا تواجه بـ (د. د. ت).

ولكن لو أننا رأينا في مجال معين أثر الأفكار في مقاومة الحشرات، فقد نرى في مجال آخر أثرها الناقل للمرض. فمن المعلوم مثلاً أن الأجسام الحية قد تتناقل بعض الأمراض بواسطة العدوى. ولكنا منذ (باستور) و (كوخ) عرفنا أن الجراثيم هي العوامل التي تنقل هذه الأمراض.

ونحن نرى أن هناك شكلاً آخر من أشكال العدوى، هو ذلك الذي ينقل الأمراض الاجتماعية من جيل إلى جيل، الأمر الذي يضطرنا تبعاً لطبيعة المشكلة ذاتها أن نقرر أن هناك أيضاً أنواعاً من الجراثيم الناقلة للأمراض الاجتماعية، هذه الجراثيم الخاصة أفكار معدية، أفكار تهدم كيان المجتمعات أو تعوق نموها.

وعلى هذا نجد أن أهمية الأفكار في حياة مجتمع معين تتجلى في صورتين: فهي إما أن تؤثر بوصفها عوامل نهوض بالحياة الاجتماعية، وإما أن تؤثر على عكس ذلك بوصفها عوامل ممرضة، تجعل النمو الاجتاعي صعباً أو مستحيلاً.

وهنالك فضلاً عن ذلك جانب آخر لأهمية الأفكار في العالم الحديث: ففي القرن التاسع عشر كانت العلاقات بين الأمم والشعوب علاقات قوة، وكان مركز الأمة يقدر بعدد مصانعها ومدافعها وأساطيلها البخرية ورصيدها من الذهب. ولكن القرن العشرين قد سجل في هذا الصدد تطوراً معلوماً، هو أنه قد أعلى من الفكرة باعتبارها قيمة قومية ودولية. هذا التطور لم تشعر به كثيراً البلدان المتخلفة، لان عقدة تخلفها ذاتها قد نصبت في طريقها ضرباً من الغرام السقيم بمقاييس القوة، أي بالقاييس القائمة على (الأشياء).

فالرجل الذي يعيش في بلد متخلف يلاحظ دون ريب تخلفه بالنسبة للرجل الذي يعيش في بلد متقدم، وهو يلاحظ شيئاً فشيئاً أن الذي يفصل ما بين الشعوب ليس هو المسافات الجغرافية، وإنما هي مسافات ذات طبيعة أخرى.

<<  <   >  >>