للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فإنِ استدلُّوا بقولهِم على أنَّه في كلِّ مكانٍ بقولهِ سبحانهُ: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: ٨٤] قيلَ لهُ: ليسَ الأمرُ في ذلكَ على ما سبقَ إلى قلوبكم، إنَّما أرادَ بذلكَ أنَّه إلهٌ عندَ أهلِ الأرضِ وإلهٌ عندَ أهلِ السَّماءِ، كقولكَ: زيدٌ نبيلٌ عندَ أهلِ العراقِ وعندَ أهلِ الحجازِ، وليسُ يوجبُ هذا أنَّ ذاتهُ بالعراقِ والحجازِ.

فإنْ قيلَ: فمَا تقولونَ في قولهِ: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام: ٣]؟

قيلَ لهُ: إنَّ بعضَ القرَّاءِ يجعلُ الوقفَ في {السَّمَاوَاتِ} [الأنعام: ٣] ثمَّ يبتدئُ: {وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ} [الأنعام: ٣]، وكيفما كانَ، فلو أنَّ قائلًا قالَ: فلانٌ بالشَّامِ والعراقِ ملكٌ، لدلَّ على أنَّ ملكهُ بالشَّامِ والعراقِ، لا أنَّ ذاتهُ فيهما.

فإنْ قيلَ: فما يقولُ في قولهِ سبحانهُ: {يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ} [المجادلة: ٧].

قيلَ لهُ: كونُ الشَّيءِ مَعَ الشَّيءِ على وجوهٍ: منها بالنُّصرةِ، ومنهَا بالصحبةِ، ومنهَا بالمماسةِ، ومنها بالعلمِ. فمعنى هذا القولِ عندنا: أنَّه مَعَ كلِّ الخلقِ بالعلمِ، بمعنى أنَّه يعلمهم ولا يخفى عليه منهم شيءٌ سبحانَهُ ...

وإنَّما أمرنَا الله تعالى برفعِ أيدينا قاصدينَ إليهِ برفعهمَا نحوَ العرشِ الذي هوَ مستوٍ عليهِ كمَا قالَ: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: ٥]» (١).


(١) تأويل الآيات المشكلة - ورقة ١٣٢/أ - ١٣٥/أ (مخطوط في مكتبة طلعت، ضمن دار الكتب في القاهرة).

<<  <   >  >>