للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ولفظ مستفهم به وهو تقرير، ولفظ مستفهم به وهو تعجب، ولفظ مستفهم به وهو توبيخ، ولفظ خرج على مذهب الأمر وهو نهي، ولفظ خرج على لفظ الأمر وهو تهديد، ولفظ خرج على لفظ الخبر وهو دعاء، مع أشياء كثيرة يطول تعدادها، وبكل هذه المذاهب نزل القرآن، ولذلك لا يقدر أحد من التراجم أن ينقله إلى شيء من الألسنة؛ كما نُقلت كتب الله المتقدمة، فمن تعقبه بالنظر من غير معرفة بما خص الله به هذه اللغة، توهم مثل الذي توهمه هؤلاء الطاعنون، وسأمثّل لذلك مثلا: أقوله على ما أعلمتك حتى تقدر إن شاء الله، وقد قال الله جل ثناؤه: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: ٦٧]، فالناظر في هذا بغير علم؛ يمثله بقول القائل: يا أيها الرجل كل هذا الطعام؛ وإن لم تفعل ما أكلته، وليس في هذا الكلام على هذا الوجه فائدة، وإنما أراد - عز وجل -: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، مجاهرًا غير خائف أحدًا؛ وإن لم تفعل ذلك فما بلغت رسالته، فأضمر مجاهرًا به غير خائف، لأن في قوله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: ٦٧]، دليلًا على ذلك وهذا من المحذوف الذي يدل على ظاهر الكلام عليه.

وقال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} [الحجرات: ١١]، والناظر في هذا بغير علم؛ يقول أما في قوله: {قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ}، ما أغنى عن قوله: {وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ}، لأن النساء يدخلن في القوم، يقال: هؤلاء قوم فلان، للرجال والنساء من عشيرته، والقوم للرجال دون النساء، ثم يجاء لعلمهم النساء، فيقال: هؤلاء قوم فلان، ولا يجوز أن يقال لنساء تعين هؤلاء قوم فلان، ولكن يقال: من قومه رجال والنساء منهم، وإنما سمي الرجال دون النساء قومًا؛ لأنهم يقومون بهذا الأمر مع الرجال، ويعينوهم به عند الشدائد ويتصرفون، وواحدهم

<<  <   >  >>