للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فهلكوا ألا والذي لا إله غيره ما عمل عامل قطّ على جهل إلا كان ما يفسده أكثر مما يصلح) (١)، فقد روي عن رسول الله عليه السلام أنه قال: "من أم قوما بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلح" (٢). ولقد أحسن القائل:

عبادة عابدٍ في غير علم ... كبنيان القصور على التراب

العمل بلا علم يكون له دليل ... كقرطاس تراه بلا كتاب

ومن يكثر دعاه بغير زهد ... كرمي النبل في جوف الطناب (٣)

ومن طلب العلوم بغير فهم ... كمن رام التعلّق بالسحاب

ومن طلب التعبد منه جهلاً ... فلا طمع له في الاقترابُ

قال بعض الحكماء: وكيف يكون متقياً من لا يدري ما يُتقى. وروي أنّ سليمان بن عبد الله [ق ٥ / ب] الملك رحمه الله مشى إلى طاووس اليماني رضي الله عنه يسأله أن يدعو له دعوة، فلما دخل على طاووس لم يقم له ولا عني به ولا هاله أمره، فلما انصرف قيل لطاووس رضي الله عنه: مشى إليك أمير المؤمنين فلم تقم ولا تلو عليه،

قال: أردت أن يعلم أنّ لله عز وجل رجالاً يزهدون فيما أوتي من حطام الدنيا، وليس مطلوبهم إلا لله عز وجل، فلا يرجون سواه، ولا يخافون إلا إيّاه (٤).

ألا فهذه سيرة المشايخ والفقراء من العلماء والعباد وبضدّ ذلك سيرة المنافقين والمرائين المعاندين الآكلين الدنيا بالدين، وقيل: من استغنى بالله أحوج الله الناس إليه. وقرأت في كتاب


(١) إسناده ضعيف - أخرجه الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (٣/ ٩٨) (٢١٥١) من طريق الحسن بن الصباح، حدثنا عبدالرحمن المحاربي، عن بكر بن خنيس، عن ضرار بن عمرو، عن ابن سيرين به، وفيه بكر بن خنيس قال عنه الذهبي في "الكاشف": "واه"، وقال ابن حجر في "التقريب": "صدوق له أغلاط"، وضرار بن عمرو قال البخاري: فيه نظر، وقال ابن عدي: منكر الحديث، وقال الدارقطني: ذاهب الحديث.
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ.
(٣) قال العدوي: الطِّناب: السير الذي يُربط في رأس وتر القوس.
(٤) ذكره مختصرا ابن خلكان في وفيات الأعيان (٢/ ٤٢٤) بدون إسناد. وروى أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ١٦) عن أبي حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا عمر بن شبة، ثنا أبو عاصم، قال: زعم لي سفيان قال: جاء ابن لسليمان بن عبد الملك فجلس إلى جنب طاوس فلم يلتفت إليه فقيل له: جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه، قال: «أردت أن يعلم أن لله عبادا يزهدون فيما في يديه» وإسناده ضعيف فيه أبو حامد بن جبلة مجهول.

<<  <   >  >>