للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وأهم ناحية يظهر فيها هذا التأثر هي الناحية المتعلقة بالمفردات كما سبقت الإشارة إلى ذلك؛ ففي هذه الناحية على الأخص تنشط حركة التبادل بين اللغات، ويكثر اقتباسها بعضها من بعض, وقد تذهب بعض اللغات بعيدًا في هذا السبيل، فتقتبس معظم مفرداتها أو قسمًا كبيرًا منها عن غيرها؛ كما فعلت التركية مع الفارسية والعربية، والسريانية مع اليونانية، والفارسية مع العربية.. وهلم جرا١.

وأما القواعد وأساليب الصوت فلا تنتقل في الغالب من لغة إلى أخرى إلّا بعد صراع طويل بين اللغتين، ويكون انتقالها إيذانًا بقرب زوال اللغة التي انتقلت واندماجها في اللغة التي انتقلت منها، كما سبقت الإشارة إلى ذلك٢.

ولهذا تخضع في الغالب الكلمات المقتبسة للأساليب الصوتية في اللغة التي اقتبستها، فينالها كثير من التحريف في أصواتها وطريقة نطقها، وتبعد جميع هذه النواحي عن صورتها القديمة؛ فالكلمات التي أخذتها العربية مثلًا عن الفارسية أو اليونانية, قد صبغ معظمها بصبغة اللسان العربي حتى بعد كثيرًا عن أصله, ومن ثَمَّ نرى أن الكلمة الواحدة قد تنتقل من لغة إلى عدة لغات, فتتشكل في كل لغة منها بالشكل الذي يتفق مع أساليبها الصوتية ومنهاج نطقها، حتى لتبدو في كل لغة منها غريبة عن نظائرها في اللغات الأخرى؛ فالكلمات العربية مثلًا التي انتقلت إلى اللغات الأوروبية قد تمثّلت في كل لغة منها بصورة تختلف اختلافًا غير يسير عن صورتها في غيرها.

وكثيرًا ما ينال معنى الكلمة نفسه تغييرًا أو تحريف عند انتقالها من لغة إلى لغة, أو من لهجة إلى أخرى؛ فقد يخصص معناها العام, ويقصر على بعض ما يدل عليه، وقد يعمم مدلولها الخاص، وقد تستعمل في غير ما وضعت له لعلاقة ما بين المعنيين، وقد تختلط إلى درجة وضيعة


١ انظر صفحتي ٢٢٤، ٢٢٥.
٢ انظر صفحات ١٨٣، ١٨٤، ٢٣٦، ٢٣٧ وآخر ٢٤٤.

<<  <   >  >>