للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فليس بصحيح ما ذهب إليه بعض العلماء من أن هذا التطور يحدث نتيجة لأعمال فردية اختيارية يقوم بها بعض الأفراد وتنتشر عن طريق المحاكاة١.

وليس بصحيح ما ذهب إليه أعضاء المدرسة الإنجليزية وبعض الباحثين من الفرنسيين؛ كالعلامة بريال Breal؛ إذ يرون أن التطور الدلالي يسير باللغة نحو التهذيب والكمال, ويسد ما بها من نقص, ويخلصها مما لا تدعو إليه الحاجة٢, وذلك أن اتجاهات كهذه لا يمكن أن تتحقق إلّا في تطور اختياري مقصود تقوده الإرادة الإنسانية في سبيل الإصلاح, أما وقد ثبت أن التطور الذي نحن بصدده تطور تلقائي آلي لا دخل فيه للإرادة الإنسانية، فلا يتصور أن يتقيد في اتجاهه بالسبل التي تقول بها هذه النظرية.

وأن موازنة بين الحالة التي كانت عليه اللغة العربية فيما يتعلق بدلالة ألفاظها وقواعدها في الإعراب وغيره وما آلت إليه في اللغة العامية الحاضرة لأكبر دليل على ما نقول, فمن الواضح أن هذا التطور لم يتجه دائمًا نحو التهذيب والكمال، بل أدّى في معظم مظاهره إلى اللبس في دلالة الكلمات والخلط بين وظائفها وأنواعها، وجرَّدَ اللغة مما به من دقة وسمو، وهوى بها إلى منزلة وضيعة في التعبير, وما حدث في اللغة العربية بهذا الصدد حدث مثله في كثير من اللغات, وإليك مثلًا قواعد اللغة اللاتينية التي انقرضت في اللغات المنشعبة عنها, فإن معظم هذه القواعد كبير الفائدة في بيان وظيفة الكلمات وتحديد مدلولاتها وتعيين العلاقات التي تربط عناصر العبارة بعضها ببعض، وقد أدى انقراض هذه القواعد في اللهجات المنشعبة عن اللاتينية إلى كثير من اللبس والاضطراب.


١ قال بهذا المذهب الفاسد جماعة من العلماء, على رأسهم سايس وسوبث وجيسبرسن ونارد Sayce Sweet Jespersen Tarde "انظر ص٥٨".
٢ انظر آخر ص٥٦ وصفحتي ٥٧، ٥٨ وأول ٥٩، وانظر كذلك
Dauzat, op. cit., ٩٩, l٠٠

<<  <   >  >>