للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وأما آثارُ هذه الحقائق في الشريعة فمُخْتلفة:

فما فَعَله - عليه السلام - بطريق الإِمامةِ كقسمةِ الغنائم، وتفريقِ أموال بيت المال على المصالح، وإقامةِ الحدود، وترتيبِ الجيوش، وقتالِ البُغَاة، وتوزيع الإِقطاعات في القُرى والمعادن، ونحو ذلك: فلا يجوز لأحدٍ الإِقدامُ عليه إلَّا باذنِ إِمامِ الوقت الحاضر (١)، لأنه - صلى الله عليه وسلم - إِنما فَعَله بطريقِ الإمامة، وما استُبِيحَ إِلَّا بإذنه، فكان ذلك شرعاً مقرراً لقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (٢).

وما فَعَله - عليه الصلاة والسلام - بطريق الحكم كالتمليكِ بالشفعة، وفسوخِ الأنكحةِ والعقود، والتطليقِ بالإِعسار عند تعذُرِ الإِنفاقِ والإِيلاء والفَيئة (٣). ونحو ذلك: فلا يجوز لأحدِ أنْ يقدِم عليه إِلا بحكم الحاكم في الوقت الحاضر (٤)، اقتداءَ به - صلى الله عليه وسلم -، لأنه - عليه السلام - لم تقرر تلك الأمور إلا بالحكم، فتكون أمَّتُه بعدَهُ - صلى الله عليه وسلم - كذلك.

وأما تصرُّفُهُ - عليه الصلاة والسلام - بالفُتيا والرسالةِ والتبليغِ، فذلك شَرْعٌ يَتقرّرُ على الخلائق إلى يوم الدين، يَلزمُنا أن نَتْبَع كلَّ حُكمِ مما بلَّغه إِلينا عن ربِّه بسببه، من غير اعتبار حُكمِ حاكمٍ ولا إِذن إِمام، لأنه - صلى الله عليه وسلم - مبلِّغٌ لنا ارتباطَ ذلك الحكمِ بذلك السبب، وخَلَّى بين الخلائق وبين ربِّهِم.


(١) هذه العبارة من قوله في أول هذا المقطع: (كقسمة الغنائم ...) إلى هنا منقولة بتصرف يسير في "تبصرة الحكام" لإبن فرحون ١: ١٢، ١٣.
(٢) من سورة الأعراف، الآية ١٥٨.
(٣) في نسخة (ر): (والتطليق والإيلاء عند تعذُّر الإنفاق والفَيئة).
(٤) في نسخة (ر): (في الوقتِ الخاصّ).

<<  <   >  >>