للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قاعدةٌ اجتهدَ فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نَتْبَعُهم فيها من غيرِ استئنافِ اجتهاد.

ألا تَرى أنهم أجمعوا على أنَّ المعاملات إِذا أُطلِقَ فيها الثَّمَنُ يُحمَلُ على غالب النقود، فإِذا كانت العادةُ نقدًا معيَّنًا حمَلْنا الإِطلاقَ عليه، فإِذا انتقلتْ العادةُ إِلى غيرِه عيَّنَّا ما انتقلتْ العادَةُ إِليه، وأَلغينا الأوَّلَ (١)، لإنتقالِ العادة عنه.

وكذلك الإِطلاقُ في الوصايا والأَيمانِ وجميعِ أبواب الفقه المحمولة على العوائد، إِذا تغيَّرتْ العادةُ تغيَّرتْ الأحكامُ في تلك الأبواب. وكذلك الدَّعاوى إِذا كان القولُ قولَ من ادَّعى شيئًا لأنه العادَة، ثم تغيَّرت العادةُ: لم يَبق القولَ قول مُدَّعِيه بل انعكسَ الحالُ فيه.

بل ولا يُشترطُ تغيُّرُ العادة، بل لو خرجنا نحن من ذلك البلد إِلى بلَدٍ آخر، عوائدُهم على خلافِ عادةِ البلد الذي كنا فيه أفتيناهم بعادةِ بلدهم، ولم نعتبر عادةَ البلد الذي كنا فيه. وكذلك إِذا قَدِمَ علينا أحدٌ من بلدِ عادَتُه مُضَادَّةٌ للبلد الذي نحن فيه لم نُفتِه إِلَّا بعادةِ بلدِه دون عادةِ بلدنا.

ومن هذا الباب ما رُوي عن مالك: إِذا تنازع الزوجان في قبضِ الصَّداقِ بعد الدخول: أنَّ القولَ قولُ الزوج، مع أنَّ الأصلَ عدَمُ القَبْض. قال القاضي


(١) قال شيخنا وأستاذنا العلاَّمة الفقيه مصطفى أحمد الزرقاء حفظه الله تعالى
ورعاه، فيما كتبه إليَّ تعليقًا على هذا الموضع، ما يلي:
"أي ألغينا اعتبارَ النقدِ الأول، فلا نحمِلُ عليه العقودَ الجديدةَ إذا أُطلِقَ فيها النقدُ المتعاقَدُ به، بل نحمِلُها على النقدِ الذي أصبح هو الغالبَ الرواجِ في العادةِ والتعامل. وليس مُرادُهُ أننا نُلِغي العقدَ الأولَ الذي وقع في ظلِّ العادةِ القديمةِ منصرِفًا إلى ذلك النقدِ السابق، فإنَّ ذلك يَبقَى منصرِفًا إلى النقدِ السابق الذي كان غالبًا عند ذاك التعاقد".

<<  <   >  >>