للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

منعت غيره من الصحابة من أن يخرجوا بأنفسهم، ومن سُمح له بالخروج فإنه يخرج دون ماله، ويتم الاستيلاء على جميع أمواله وأملاكه (١)، وقد طلب من العباس أن يكتم الخبر ثلاثة أيام بعد خروجه من مكة؛ لكونه يخشى الطلب، فقبل ذلك العباس حتى إذا كان اليوم الثالث: (لبس العباس حلة له وخرج حتى أتى الكعبة فطاف بها، فقالت قريش: يا أبا الفضل هذا واللَّه التجلد لحر المصيبة، قال: كلا، واللَّه الذي حلفتم به، لقد افتتح محمد خيبر، وترك عروسا على بنت ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيها فأصبحت له ولأصحابه، قالوا: من جاءك بهذا الخبر؟! قال: الذي جاءكم بما جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلمًا فأخذ ماله فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه، قالوا: يا لعباد اللَّه انفلت عدو اللَّه، أما واللَّه لو علمنا لكان لنا وله شأن، قال: ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك) (٢).

قال ابن القيم رحمه اللَّه معلقًا على هذه القصة: "وفيه دليل على أن الكلام إذا لم يرد به قائله معناه إما لعدم قصده له، أو لعدم علمه به، أو أنه أراد به غير معناه، لم يلزمه ما لم يرده بكلامه، وهذا هو دين اللَّه الذي أرسل به رسوله، ولهذا لم يلزم المكره على التكلم بالكفر الكفر، ولم يلزم زائل العقل بجنون أو نوم أو سكر ما تكلم به، ولم يلزم الحجاج بن علاط حكم ما تكلم به؛ لأنه أراد به غير معناه، ولم يعقد قلبه عليه، وقد قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي


(١) قال ابن سعد رحمه اللَّه: "وقدم الحجاج بن علاط السلمي على قريش بمكة، فأخبرهم أن محمدا قد أسرته يهود وتفرق أصحابه وقتلوا وهم قادمون بهم عليكم، واقتضى الحجاج دينه وخرج سريعًا، فلقيه العباس بن عبد المطلب فأخبره خبر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على حقه، وسأله أن يكتم عليه حتى يخرج، ففعل العباس، فلما خرج الحجاج، أعلن بذلك العباس وأظهر السرور وأعتق غلامًا يقال له أَبو زبيبة"، الطبقات الكبرى، ٢/ ١٠٨.
(٢) السيرة النبوية لابن هشام، ٤/ ٣١٨ - ٣١٩.

<<  <   >  >>