للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأما نبيُّنا صلوات اللَّه وسلامه عليه، فإن ربّه أرسل إليه يخبره وكان أعلم الخلق باللَّه، فعلم أن ربه يحب لقاءه ويختاره له فاختار لقاء اللَّه، ولو علم أن ربه يحب له البقاء في الدنيا لتنفيذ أوامره وإقامة دينه لما اختار غير ذلك، فكان اختياره تابعًا لاختيار ربّه، كما أنه لما خيّره ربه ﷿ بين أن (١) يكون مَلِكًا نبيًّا وبين أن يكون عبدًا نبيًّا (٢) وعلم أن ربه يختار له أن يكون عبدًا، اختار ما اختاره اللَّه له، فكان اختياره في جميع أموره تابعًا لاختيار اللَّه له.

ولهذا يوم الحديبية احتمل ما احتمل من تلك الشروط (٣)، ووفّى هذا المقام حقّه. ولم يثبت عليه من كل وجه إلا الصّديق، فلم يكن له اختيار في سوى ما اختار اللَّه له ولأصحابه من تلك الحال التي تقرر الأمر عليها، فكان راضيًا بها مختارًا لها شاهدًا اختيار ربه لها، وهذا غاية العبودية، فشكر اللَّه له ذلك، وجعل شكرانه ما بشره به في أول سورة الفتح حتى هنأه الصحابة به، وقالوا: هنيئًا لك يا رسول اللَّه (٤)، وحُقَّ له أن يُهَنّأ بأعظم ما هنّئ به بشر صلوات اللَّه وسلامه عليه.


(١) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) سبق تخريجه ص (٥٠٧).
(٣) انظر في ذلك حديث سهل بن حنيف الذي رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٣١٨١)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٧٨٥).
(٤) رواه أحمد في "مسنده" (٣/ ١٢٢)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤٥٩)، (٤٦٠).
وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

<<  <  ج: ص:  >  >>