للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

علق بأذهانهم من آراء فاسدة، بُنيت على شُبهٍ باطلة وأدلة واهية مخالفة للثوابت الشرعية والنصوص القطعية من الكتاب والسنة، ولذلك فقد يتنزل شيخ الإسلام مع مناظره شيئا ما ليكون أدعى لقبوله الحق وإن كان شيخ الإسلام على يقين تام ببطلان قوله وفساد معتقده قال رحمه الله: «فإنا في هذا المقام نتكلم معهم بطريق التنزل إليهم، كما نتنزل إلى اليهودي والنصراني في مناظرته، وإن كنا عالمين ببطلان ما يقوله، اتباعاً لقوله تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:١٢٥]، وقوله: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت:٤٦]. وإلا فعلمنا ببطلان ما يعارضون به القرآن والرسول، ويصدون به أهل الإيمان عن سواء السبيل، وإن جعلوه من المعقول بالبرهان، أعظم من أن يبسط في هذا المكان» (١).

وفي مناظرته مع بعض النصارى قال: «ولهذا كنت أتنزل مع علماء النصارى إلى أن أطالبهم بالفرق بين المسيح وغيره من جهة الإلهية» (٢).

ومن هذا الباب ما فعله شيخ الإسلام في مناظرته الرفاعية، فبعد أن بين حيلتهم في دخول النار، تنزل معهم وجاراهم في مخاريقهم فتحداهم في دخول النار بعد الاغتسال بالخل والماء الحار، وقال: «أنا أخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها أي شيء فعلوه في النار فأنا أصنع مثل ما تصنعون، ومن احترق فهو مغلوب» (٣) أو قال: «فعليه لعنة الله» (٤).

ولما استعظم الأمير ذلك وقال: أتفعل ذلك؟ فقال له شيخ الإسلام مبيناً سبب إقدامه على مثل هذا الفعل: «نعم قد استخرت الله في ذلك، وأُلقي في قلبي أن أفعله، ونحن لا نرى هذا وأمثاله ابتداء؛ فإن خوارق العادات إنما تكون لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- المتبعين له باطنًا وظاهرًا لحجة أو حاجة، فالحجة لإقامة دين الله،


(١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ١٨٨)
(٢) مجموع الفتاوى (١٥/ ٢٢٨)، وانظر: الرد على البكري (ص:٣٢٧).
(٣) المصدر السابق (١١/ ٤٦٥).
(٤) المصدر السابق (١١/ ٤٦٥).

<<  <   >  >>