للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

متعلقة بالله من أحد طرفيها، والرسالة الأمر بالتبليغ، فهي متعلقة بالله من أحد طرفيها وبالعباد من الطرف الآخر، والمتعلق بالله من الطرفين أفضل من المتعلق به من أحدهما.

ورد عليه بأن الرسالة أخص من النبوة، كما أن الرسول أخص من النبي فهي مشتملة على النبوة وزيادة.

فائدة أخرى: مبنية على الفرق بين الرسول والنبي أفادها علماء الحديث وهي: ما إذا وقع في الرواية قال رسول الله، أو عن رسول الله هل يجوز تغييره إلى قال النبي، أو عن النبي، وكذا لو ورد قال النبي، أو عن النبي هل يجوز يجوز تغييره إلى قال رسول الله، أو عن رسول؟

اختلف علماء الحديث في ذلك فقال ابن الصلاح (١) : والظاهر أنه لا يجوز وإن جازت الرواية بالمعنى، لاختلاف معنى النبي والرسول.

وقال النووي (٢)

: الصواب الجواز لأنه لا يختلف به هنا معنى، وبه قال أحمد بن حنبل، وقد نبه العراقي (٣) في ألفيته على ما ذكرنا فقال (٤)

:


(١) ابن لصلاح هو: الإمام الحافظ شيخ الإسلام تقي الدين، أبو عمرو عثمان ابن الشيخ صلاح الدين عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الكردي، الشهرزوري، الشافعي، صاحب كتاب علوم الحديث، وشرح مسلم وغير ذلك. وسمع من ابن سكينة وابن طبرزد والمؤيد الطوسي وخلائق، ودرس بالصلاحية ببيت المقدس، ثم قدم دمشق وولي دار الحديث الأشرفية، وتخرج به الناس، وكان من أعلام الدين، أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه، مشاركاً في عدة فنون متبحراً في الأصول والفروع، يضرب به المثل، سلفياً زاهداً حسن الاعتقاد، وافر الجلالة، مات في خامس عشر من ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
انظر: طبقات الحفاظ (١/٥٠٣، ترجمة: ١١٠٧) ، وطبقات المحدثين (١/٢٠٢، ترجمة: ٢١٣٦) ، وشذرات الذهب (٣/٢٢١) ، ووفيات الأعيان (٣/٢٤٣، ترجمة: ٤١١) .
(٢) النووي هو: أبو زكريا، محيى الدين، يحيى بن شرف الدين بن مري بن حسن الحزامي الحوزاني الشافعي، علامة الفقه والحديث، مولده ووفاته في نوا من قى حوران بسوريا، له مصنفات كثيرة منها: تهذيب الأسماء واللغات، وشرح مسلم، ورياض الصالحين، والأذكار، توفي سنة (٦٧٦هـ) .
انظر: طبقات الشافعية (٥/١٦٥) ، والنجوم الزاهرة (٧/٢٧٨) ، ومفتاح السعادة (١/٣٩٨) .
(٣) العراقي هو: الحافظ الإمام الكبير الشهير أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي ولد بمنشأة المهراني بين مصر والقاهرة في جمادى الأولي سنة (٧٢٥هـ) ، اشتغل بالعلوم وأحب الحديث، فأكثر من السماع وتقدم في فن الحديث بحيث كان شيوخ عصره يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة كالسبكي والعلائي والعز بن جماعة والعماد بن كثير وغيرهم، وله تصانيف رائعة منها: ألفيتة في علوم الحديث، ونظم الاقتراح، والمغني عن حمل الأسفار في تخريج أحاديث كتاب إحياء علوم الدين للغزالى، وتفسير غريب القرآن، وكانت وفاته رحمه الله تعالى في شهر شعبان سنة (٨٠٦هـ) .
انظر: شذرات الذهب (٤/٥٥) ، وطبقات الحفاظ (١/٥٤٣) ، وطبقات المفسرين (١/٣٠٩) .
(٤) لقد شرح الحافظ السخاوي في فتح المغيث (٢/٢٩٩) هذين البيتين فقال: «إن رسول» وقع في الرواية بأن قيل: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نبي» أي: بلفظ النبي «أبدلا» وقت التحمل والأداء والكتابة، «فالظاهر» كما قال ابن الصلاح «المنع» منه والتقيد بما في الرواية «كعكس فغلا» بأن يبدل الرواية فيه بلفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن جازت الرواية بالمعنى لأن المعنى هنا مختلف يعني بناء على القول بعدم تساوي مفهومهما، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل فيما رواه عنه ابنه عبد الله إذا سمع من لفظ المحدث رسول الله ضرب من كتابه نبي الله، وكتب ذلك بدله، لكن قال الخطيب: إن ذلك ليس على وجه اللزوم بل على الاستحباب في اتباع المحدث في لفظه.
«وقد رجى جوازه ابن حنبل» نفسه حيث قال: إذ سأله ابن صالح إنه يكون في الحديث رسول الله، فيجعل الإنسان بدله النبي؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأس، وكذا جوزه حماد بن سلمة، بل قال لعفان وبهز لما جعلا يغيران «النبي» يعني الواقع في الكتاب «برسول الله» يعني الواقع من المحدث: أما أنتما فلا تفقهان أبداً.
«والإمام النووي» أيضاً «صوبه» أي: الجواز، «وهو جلي» واضح، بل قال بعض المتأخرين: إنه لا ينبغي أن يختلف فيه، وقول ابن الصلاح: إن المعنى فيهما مختلف لا يمنعه، فإن المقصود إسناد الحديث إلى سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو حاصل بكل واحد من الصفتين، وليس الباب باب تعبد في اللفظ، لا سيما إذا قلنا إن الرسالة والنبوة بمعنى واحد، وعن البدر بن جماعة أنه لو قيل بالجواز في إبدال النبي بالرسول خاصة لما بعد، لأن في الرسول معنى زائد على النبي وهو الرسالة، إذ كل رسول نبي ولا عكس، وبيانه أن النبوة من النبأ وهو الخبر، فالنبي في العرف هو المنبأ من جهة الله بأمر يقتضي تكليفاً فإن أمر تبليغه إلى غيره فهو رسول، وإلا فهو نبي غير رسول، وحينئذ فالنبي والرسول اشتركا في أمر عام وهو النبأ وافترفا في الرسالة، فإذا قلت: فلان رسول تضمن أنه نبي رسول، وإذا قلت: فلان نبي لم يستلزم أنه رسول.
ولكن قد نازع ابن الجزري في قولهم: كل رسول نبي حيث قال: هو كلام يطلقه من لا تحقيق عنده، فإن جبريل - عليه السلام - وغيره من الملائكة المكرمين بالرسالة رسل لا أنبياء، قلت: ولذا قيد الفرق بين الرسول والنبي بالرسول البشري، وحديث البراء في تعليم ما يقال عند النوم، إذ رد النبي - صلى الله عليه وسلم - إبداله لفظ النبي بالرسول فقال: «لا ونبيك الذي أرسلت» تمنع القول بجواز تغيير النبي خاصة بل الاستدلال به لمجرد المنع ممنوع بأن ألفاظ الأذكار توقيفية فلا يدخلها القياس، بل يجب المحافظة على اللفظ الذي جاءت به الرواية، إذ ربما كان فيه خاصية وسر لا يحصل بغيره، أو لعله أراد أن يجمع بين الوصفين في موضع واحد، ولا شك أنه - صلى الله عليه وسلم - نبي مرسل فهو إذن أكمل فائدة، وذلك يفوت بقوله: «وبرسولك الذي أرسلت» وأيضاً فالبلاغة مقتضية لذلك لعدم تكرير اللفظ لوصف واحد فيه، زاد بعضهم: أو لاختلاف المعنى لأن برسولك يدخل جبريل وغيره من الملائكة الذين ليسوا بأنبياء.

<<  <  ج: ص:  >  >>