للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

العرب كانت اللغة تعيش دون موقف مدرسي أو تقنين نظري، كانت في مرحلتها البدوية المتأثرة بما تتأثر به الحياة اللغوية، من مؤثرات غير مدرسية. لم يكن هناك موقف مدرسي أو ديني تجاه اللغة، ولكن خروج القبائل مع الجيوش الإسلامية داعية معربة الأقاليم المفتوحة أحدث تغيرًا لغويًّا، وظهرت عند المستعربين ظواهر جديدة أزعجت الحس اللغوي لمن كان قد أعجب بالعربية البدوية ومن وجد في لغة القرآن الكريم اللغة المثلى والنموذج الممتاز للتعبير اللغوي. خرج اللغويون لجمع اللغة من القبائل التي أعجب العصر بفصاحتها، ورفضوا أخذ اللغة وتعلمها عن باقي القبائل، ومعنى هذا أن تعلم اللغة الفصحى متاح لمن أراد إذا اتجه هادفًا لذلك نحو بعض القبائل. كان مجتمع الشام والعراق يريد العربية، ولكن إعجابه بالبداوة وبحياة البادية قل مع الأجيال التي لم تعرف حياة البادية، لقد أرادوا العربية وحياة الحضارة.

وما أن بدأت حركة التأليف العلمي في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة حتى بدأ التأليف أيضًا في تعليم اللغة العربية. فقد ظهرت الرسائل اللغوية التعليمية الأولى في ذلك الوقت، وكتبت رسالة صغيرة في "لحن العامة" تنسب للغوي الكوفي الكسائي١. يضم هذا الكتيب مجموعة من المفردات التي شاعت في القرن الثاني في صورة رفضها اللغويون لمخالفتها للمأثور عن لغة فصحاء البادية. فالمؤلف يعتبر صيغة فعلول بفتح الفاء مثل عصفور برغوت صيغة فاسدة، لأن المأثور عن لغة فصحاء البادية وزن فعلول بضم الفاء لا بفتحها.

أكد الكسائي أيضًا أن وزن فعيل يستخدم للمؤنث دون تاء التأنيث، وأن إضافة التاء خطأ. والكتاب يعكس بهذه الملاحظات الصورة المضادة للاستخدام اللغوي كما عرفه القرن الثاني للهجرة. ونحن لا ننظر نظرة الكسائي بأن نحكم عليها بالخطأ أو بالصواب، بل نحاول أن ننظر إليها كجزء من واقع لغوي عرفه القرن الثاني للهجرة.


١ طبعت هذه الرسائل: ثلاث رسائل، تحقيق عبد العزيز الميمني، القاهرة ١٣٨٧.

<<  <   >  >>