للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

مجمل يحتمل أكثر من معنى ثم يُحمل تفسيرها على أحد المعاني فيما بعد فتكون دليلًا على حكم متأخر. جاء في "البرهان": "واعلم أنه قد يكون النزول سابقًا على الحكم، وهذا كقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} ١ فإنه يُستدل بها على زكاة الفطر، روى البيهقي بسنده إلى ابن عمر أنها نزلت في زكاة رمضان، ثم أسند مرفوعًا نحوه، وقال بعضهم: لا أدري ما وجه هذا التأويل؟ لأن هذه السورة مكية، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة".

وأجاب البغوي٢ في تفسيره بأنه يجوز أن يكون النزول سابقًا على الحكم، كما قال: {لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ, وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} ٣, فالسورة مكية، وظهر أثر الحل يوم فتح مكة، حتى قال عليه الصلاة والسلام: "أُحلت لي ساعة من نهار" ٤.

وكذلك نزل بمكة: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} ٥, قال عمر بن الخطاب: كنت لا أدري: أي الجمع يُهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} .

فأنت ترى فيما ذكره صاحب البرهان أن صيغة سبب النزول محتملة للسببية ولما تضمنته الآية من الأحكام "رَوَى البيهقي بسنده إلى ابن عمر أنها نزلت في زكاة رمضان"، والآيات التي ذكرها مُجْمَلة تحتمل أكثر من معنى، أو جاءت بصيغة الإخبار عما يحدث في المستقبل {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} .


١ الأعلى: ١٤.
٢ هو أبو محمد الحسن بن مسعود بن محمد البغوي، الفقيه الشافعي، صاحب كتاب "مصابيح السٌّنَّة" في الحديث و"معالم التنزيل" في التفسير، توفي سنة ٥١٠ هجرية.
٣ البلد: ١، ٢.
٤ من حديث في الصحيحين، والآية تحتمل ثلاثة معانٍ: أن يكون "حل" من الحلول بالمكان والنزول به، فيكون حلوله بالبلد الأمين مناطًا لإعظامه بالإقسام به، أو يكون "حل" من الحلال بمعنى المباح، فإنهم قد استحلوه عليه الصلاة والسلام في هذا البلد الحرام، أو يكون المعنى: وأنت حلٌّ في المستقبل، وهذا الرأي الأخير هو الذي يكون النزول فيه سابقًا للحكم.
٥ القمر: ٤٥.

<<  <   >  >>