للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي]

التفسير بالمأثور: هو الذي يعتمد على صحيح المنقول بالمراتب التي ذُكِرت سابقًا في شروط المفسر، من تفسير القرآن بالقرآن، أو بالسٌّنَّة؛ لأنها جاءت مبيِّنة لكتاب الله، أو بما رُوِي عن الصحابة؛ لأنهم أعلم الناس بكتاب الله، أو بما قاله كبار التابعين؛ لأنهم تلقوا ذلك غالبًا عن الصحابة.

وهذا المسلك يتوخى الآثار الواردة في معنى الآية فيذكرها، ولا يجتهد في بيان معنى من غير أصل، ويتوقف عما لا طائل تحته ولا فائدة في معرفته ما لم يرد فيه نقل صحيح.

قال ابن تيمية: يجب أن يُعلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بيَّن لأصحابه معاني القرآن، كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ١, يتناول هذا وهذا، وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي٢: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن. كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي -صلى الله عليه وسلم- عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا، ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة، قال أنس: "كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جَدَّ فينا" "رواه أحمد في مسنده". وأقام ابن عمر على حفظ البقرة ثماني سنين، أخرجه مالك في الموطأ، وذلك أن الله تعالى قال: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} ٣، وقال: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} ٤, وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن، وأيضًا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا


١ النحل: ٤٤.
٢ هو عبد الله بن حبيب التابعي المقرئ، المتوفى سنة ٧٢ هجرية، وهو غير أبي عبد الرحمن السلمي الصوفي المتوفى سنة ٤١٢ هجرية.
٣ سورة ص: ٢٩.
٤ النساء: ٨٢، محمد: ٢٤.

<<  <   >  >>