للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[الإعجاز التشريعي]

أودع الله في الإنسان كثيرًا من الغرائز التي تعتمل في النفس وتؤثر عليها في اتجاهات الحياة، ولئن كان العقل الرشيد يعصم صاحبه من الزلل فإن النزعات النفسية المنحرفة تطغى على سلطان العقل، ولا يستطيع العقل أن يكبح جماحها في كل حال. لهذا كان لا بد لاستقامة الإنسان من تربية خاصة لغرائزه، تهذبها وتنميها، وتقودها إلى الخير والفلاح.

والإنسان مدني بالطبع، فهو في حاجة إلى غيره، وغيره في حاجة إليه، وتعاون الإنسان مع أخيه الإنسان ضرورة اجتماعية يفرضها العمران البشري. وكثيرًا ما يظلم الإنسان أخاه بدافع الأثرة وحب السيطرة، فلو تُرِك أمر الناس دون ضابط يحدد علاقاتهم، وينظم أحوال معاشهم، ويصون حقوقهم، ويحفظ حرماتهم لصار أمرهم فوضى، ولذا كان لا بد لأي مجتمع بشري من نظام يحكم زمامه، ويحقق العدل بين أفراده.

وبين تربية الفرد وصلاح الجماعة وشائج قوية لا تنفصم عراها، فإن هذا يقوم على تلك، فصلاح الفرد من صلاح الجماعة، وصلاح الجماعة بصلاح الفرد..

وقد عرفت البشرية في عصور التاريخ ألوانًا مختلفة من المذاهب والنظريات والنظم والتشريعات التي تستهدف سعادة الفرد في مجتمع فاضل، ولكن واحدًا منها لم يبلغ من الروعة والإجلال مبلغ القرآن في إعجازه التشريعي.

إن القرآن يبدأ بتربية الفرد؛ لأنه لبنة المجتمع ويقيم تربيته على تحرير وجدانه، وتحمله التبعة.

يحرر القرآن وجدان المسلم بعقيدة التوحيد الذي تُخَلِّصه من سلطان الخرافة والوهم، وتفك أسره من عبودية الأهواء والشهوات، حتى يكون عبدًا خالصًا لله، يتجرد للإله الخالق المعبود، ويستعلي بنفسه عما سواه، فلا حاجة للمخلوق إلا لدى خالقه، الذي له الكمال المطلق، ومنه يمنح الخير للخلائق كلها.

<<  <   >  >>