للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

اللغات معلوم" أقول: حصر المصنف أحكام الترادف في أربع مسائل؛ الأولى: في سبب وقوعه, وهو أمران أحدهما: أن يكون من واضعين, قال الإمام: ويشبه أن يكون هو السبب الأكثري, وذلك بأن تضع قبيلة لفظ القمح مثلا للحب المعروف، وقبيلة أخرى لفظ البر له أيضا. ثم يشتهر الوضعان، ويخفى الواضعان أو يعلمان ولكن متلبس وضع أحدهما بوضع الآخر، وهذا الشرط يقتضي أنا إذا علمنا الواضعين بأعيانهما لا يكون اللفظ مترادفا بل ينسب كل لغة إلى قوم وفيه نظر، ثم إن هذا إنما يتأتى إذا قلنا: اللغات اصطلاحية والمصنف لم يختره بل اختار الوقف. والثاني: أن يكون من واضع وحد إما لتكثير الوسائل والإخبار عما في النفس, فإنه ربما نسي أحد اللفظين أو عسر عليه النطق به كالألثغ الذي يعسر عليه النطق بالراء فيعبر بالقمح, أو تعذرت القافية أو الوزن به فيبقى الآخر وسيلة للمقصود، وإما للتوسع في مجال البديع، والبديع هو اسم لمحاسن الكلام كالسجع والمجانسة والقلب، والواضع له بإزاء هذه المعاني هو ابن المعتز١ كما قال ابن أبي الإصبع في تحرير التحبير٢. قال السكاكي: فالسجع يكون في النثر كالقافية في الشعر كقولك: ما أبعد ما فات, وما أقرب ما هو آت, فلو عبرت بمضي ونحوه لما حصل هذا المعنى والمجانسة كقولك: اشتريت البر وأنفقته في البر فلو عبرت بالقمح لفات المطلوب, والقلب كقوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: ٣] فلو عبر بالله تعالى ونحوه لفات هذا المطلوب. "المسألة الثانية": الترادف على خلاف الأصل أي: خلاف الراجح حتى إذا تردد لفظ بين كونه مترادفا وكونه غير مترادف فحمله على عدم الترادف أولى، وإن كان خلاف الأصل؛ لأنه تعريف لما سبق تعريفه, ولأنه محوج إلى ارتكاب مشقة وهي حفظ الكل لاحتمال أن يكون الذي يقتصر على حفظه خلاف الذي يقتصر عليه غيره، فعند التخاطب لا يعلم كل واحد منهما مراد الآخر, وهذان الدليلان إنما ينفيان الوضع من واحد، وهو السبب الأقلي كما تقدم فلا يحصل المدعى, لا جرم أن الإمام في المحصول والمنتخب لم يحرم بكونه على خلاف الأصل بل نقله عن بعضهم فقال في المنتخب: وقيل, وقال في المحصول: ومن الناس وكذلك في الحاصل والتحصيل وأيضا فتعريف المعرف يستدلون به على استحالة الشيء, وقد صرح به صاحب الحاصل وجعله ابن الحاجب دليلا للقائل باستحالته، وأشار إليه الآمدي أيضا ولم يتعرض هو ولا ابن الحاجب لهذه المسألة. المسألة الثالثة: هل يجب صحة إقامة كل واحد من


١ ابن المعتز: عبد الله بن محمد بن المعتز بالله المتوكل بن المعتصم بن الرشيد العباسي، أبو العباس، الشاعر المبدع، ولد في بغداد سنة "٢٤٧هـ" وله: الزهر والرياض والبديع وغيرها, توفي عام "٢٨٦هـ" "الأعلام: ١/ ٥١".
٢ التحبير في علم البديع: لزكي الدين عبد السلام بن عبد الواحد الشهير بابن أبي الإصبع، المتوفى سنة "٦٥٤هـ" ثم لخصه وسماه التحرير "كشف الظنون: ٣٥٥".

<<  <   >  >>