للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

إثبات التحدي بالقرآن بالحيلولة بينه وبين العرب في أن يأتوا بمثله.

وفي بيان معنى هذا الوجه من بالصَّرْفة يقول الرّماني:

"أمّا الصَّرْفة فهي صرف الهمم عن المعارضة، وعلى ذلك كان يعتمد بعض أَهل العلم في أنّ القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن المعارضة، وذلك خارج عن العادة، كخروج سائر المعجزات الّتي دلّت على النبوة، وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز الّتي يظهر منها للعقول … ". (١)

المطلب الثاني: مقاصد للقائلين بالصَّرْفة تفصيلًا

وقد اختلف القائلون بالصَّرْفة في بيان حقيقة ما يقصدونه بها، فقالوا: إن الله سبحانه لأجل اثبات التحدي، حال بين فصحاء العرب وبلغائهم، وبين الإتيان بمثل القرآن بأحد الأمور الثلاثة التالية:

المقصد الأول: صرف دواعيهم وهممهم عن القيام بالمعارضة، فكلما هموا بها وجدوا في أنفسهم صارفًا ودافعًا يصرفهم عن منازلته في حلبة المعارضة، ولم يكن ذلك لعدم قدرتهم عن الانصداع لهذا الأمر، بل إن المقتضى فيهم كان تامًا، غير أن الدواعي والهمم صارت مصروفة عن الالتفات لهذا الأمر، بصرف الله قلوبهم عنه، ولولا ذلك لأتوا بمثله.

المقصد الثاني: إن الله سبحانه سلبهم العلوم التي كانت العرب مالكة لها ومتجهزة بها، وكانت كافية للإتيان بما يشاكل القرآن، ولولا هذا السلب لأتوا بمثله ..

وممن تبنى هذا القول الشريف المرتضى الشيعي الرافضي (ت: ٤٦٣ هـ)

وهو المتهم بوضع كتاب (نهج البلاغة) المنسوب لأمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه، حيث يقول:

" اللهَ تعالى سلبهُمُ العلومَ التي يُحتاجُ إليها في مُعارضَةِ القرآنِ والإتيانِ بمثلِهِ". (٢)

وقد تابع الشريف المرتضي على هذا القول ابنُ سنان الخفاجي: (ت: ٤٦٦ هـ)

وقد مر معنا آنفًا قوله في الصَّرْفة.

المقصد الثالث: إنهم كانوا قادرين على المعارضة، ومجهزين بالعلوم اللازمة لها، ولكن الله منعهم بالإلجاء على جهة القسر من المعارضة، مع كونهم قادرين، فتقهقروا في حلبة المعارضة، لغلبة القوة الإلهية على قواهم. (٣)

وسنبين أن الصَّرْفة بكل صورها غير مقبولة، لأنها تسلب الاعجاز الذاتي للقرآن، وأنها وِهمُ ذهب إليه خيال القائلين بها دون سند أو دليل.

وفي نحو ما سبق يجمل القرطبي القول فيقول رحمه الله:

" إن بعض أصحاب الصَّرْفة زعموا أن العرب صرفوا عن القدرة على القرآن ولو تعرضوا له لعجزوا عنه،


(١) النكت في إعجاز القرآن ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن: (ص: ١١٠).
(٢) -المعجزة الكبرى القرآن: ص ٧٩.
(٣) - الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز - ليحيى بن حمزة الحسيني اليمني الطالبي الملقب بالمؤيد باللَّه (المتوفى: ٧٤٥ هـ) - طبع في مصر في ثلاثة أجزاء، طبعة المتقطف عام ١٣٣٣ للهجرة. ج ٣/ ص ٢٩١. ويُنظر: إعجاز القرآن - للأستاذ علي العماري - سلسلة الثقافة الإسلامية - عدد ٤٤، حزيران ١٩٦٣ م، القاهرة. وانظر البيان في إعجاز القرآن - للدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي - دار عمار - عمان - ص ٨٢ - ٨٣.

<<  <   >  >>