للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ولكن يأتي الذي في طباع الإنسان من التسرع، ثم من حسن الظن بنفسه، والشغف بأن يكون متبوعًا في رأيه، إلا أن يخدعه وينسبه أنه موصى بذلك، ومدعو إليه، ومحذر من سوء المغبة إذا هو تركه وقصر فيه. وهي الآفة لا يسلم منها ومن جنايتها إلا من عصم الله. وإليه عز اسمه الرغبة في أن يوفق للتي هي أهدى، ويعصم من كل ما يوتع الدين، ويثلم اليقين، إنه ولي ذلك والقادر عليه (١).

وقال أيضًا:

"إنه لا يتصور الإعجاز بالصَّرْفة، وذلك لأنهم كانوا حينئذ يعارضونه بما اعتيد منهم من مثل القرآن الصادر عنهم قبل التحدي به، بل قبل نزوله، فإنهم لم يتحدوا بإنشاء مثله بل بالإتيان به فلهم بعد الصَّرْفة الواقعة بعد التحدي، أن يعارضوا القرآن بكلام مثله صادر عنهم قبل الصَّرْفة) (٢).

[٨ - السيوطي]

يقول السيوطي مستدلا بآية التحدي في الإسراء:

" … فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سلبوا القدرة، لم تبق فائدة لاجتماعهم، لمنزلته منزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره، … ". (٣)

[٩ - الإجماع]

ومن أقوى الأقوال والردود والحجج الواردة في إبطال القول بالصَّرْفة الإجماع الذي حكاه القرطبي وقد مر معنا في طيات البحث ولا حرج من إعادة ذكره هنا لمسيس الحاجة إليه، والأمة لا تجتمع على ضلالة أبدًا كما صح الخبر بذلك عن خير البشر في قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله قد أجار أمتي من أن تجتمع على ضلالة) (٤)

وإجماع الأمة إنما كان قبل ظهور القول بالصَّرْفة على أن إعجاز القرآن ذاتي … وقد حكى القرطبي الإجماع في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن)، فقال بعد أن ذكر قول القائلين بالصرفة:

" وهذا فاسد، لأن إجماع الأمة قبل حدوث المخالف: أن القرآن هو المعجز، فلو قلنا: أن المنع و الصَّرْفة هو المعجز، لخرج القرآن عن أن يكون معجزًا، وذلك خلاف الإجماع، وإن كان كذلك، علم أن نفس القرآن هو المعجز، لأن فصاحته وبلاغته أمر خارق للعادة، إذ لم يوجد كلام قط على هذا الوجه، فلما لم يكن ذلك الكلام مألوفًا معتادًا منهم، دل على أن المنع والصَّرْفة لم يكن معجزًا ". (٥).

وممن قال بالإجماع واستدل به على بطلان الصرفة كذلك علي بن محمد الجرجاني (ت: ٨١٢ هـ) في شرح المواقف (٦) والألوسي في روح المعاني (٧).

وفي الجملة فإن الرد على القائلين بالصَّرْفة يُعد من الأقوال كذلك، فلا يُظن أن أقوال العلماء منفردة في القول ببطلان الصَّرْفة فحسب، بل إن رودوهم تعد من أقوى أقوالهم كذلك، وهي وإن كانت كثيرة غير أنا تخيرنا أبرزها وأبينها على الدلالة ببطلان القول بالصَّرْفة.


(١) - الجرجاني، الرسالة الشافية، ص ١٥٥
(٢) شرح المواقف: (٨/ ٢٤٩)
(٣) - الإتقان: (١/ ٦ ـ ٧).
(٤) - حسن بمجموع طرقه، السلسلة الصحيحة: (٣/ ٣١٩).
(٥) - الجامع لحكام القرآن-لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي: (ت: ٦٧١ هـ) دار الكتب العلمية-بيروت ١٩٩٣ م-المجلد الأول ١ - ٢/ ص: ٥٤
(٦) - شرح المواقف: (٨/ ٢٤٩)
(٧) - روح المعاني: (١/ ٢٧).

<<  <   >  >>