للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عنه.

ثم يقول في موضع آخر رحمه الله:

" .... لو لم يكن عجزهم عن معارضة القرآن وعن أن يأتوا بمثله، لأنه معجِز فى نفسه إلا أن أدخل عليهم العجز عنه، وصرفت هممهم وخواطرهم عن تأليف كلام مثله، وكان حالهم حال من أُعدم العلم بشيء قد كان يعلمه، وحيل بينه وبين أمر قد كان يتسع له، لكان ينبغي أن لا يتعاظَمَهم؛ ولا يكون منهم ما يدل على إكبارهم أمره، وتعجبهم منه، وعلى أنه قد بهرهم، وعظم كل العِظَم عندهم، بل كان ينبغي أن يكون الإكبار منهم والتعجب للذي دخل من العجز عليهم، ورأوه من تغير حالهم، ومن أن حيل بينهم وبين شيء قد كان عليهم سهلاً، وأن سُدَّ دونهم باب كان لهم مفتوحًا، أرأيت لو أن نبيًا قال لقومه: (إن آيتي أن أضع يدي على رأسي هذه الساعة، وتمنعون كلكم من أن تستطيعوا وضع أيديكم على رؤوسكم)، وكان الأمر كما قال، ممَّ يكون تعجب القوم، أمِن وضعه يده على رأسه، أم من عجزهم أن يضعوا أيديهم على رؤوسهم؟). " (١)

يقول الباقلاني:

"وأخيرا فإن الصَّرْفَةِ تصور القرآن معجزة حسية معقدة خفية. فلو كان المراد الإعجاز الحسي لما كان ثمة داع لجعله مصحوبًا بتلك الصورة الكلامية مع التحدي بها. فذلك نمط مُرْبِكٌ عسير الإدراك، يُستغنى عنه بأهون شيء يقطع ما بين النبي صلى الله عليه وسلم وقومه من جدل ومعاناة ". (٢)

المطلب الثاني: أقوال العلماء في رد القول بالصَّرْفَةِ وبيان بطلانها

[١ - شيخ الإسلام بن تيمية]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"ومن أضعف الأقوالِ - أي في إعجاز القرآن - قول من يقول من أهل الكلام: إنه معجز بصرف الدواعي مع تمام الموجب لها، أو بسلب القدرة التامة، أو بسلبهم القدرة المعتادة في مثله سلبًا عامًا، مثل قوله تعالى لزكريا: ( … آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليالٍ سويًا) (مريم: ١٠) وهو أن الله صرف قلوب الأمم عن معارضته مع قيام المقتضي التام فإن هذا يقال على سبيل التقدير والتنزيل، وهو أنه إذا قدر أن هذا الكلام يقدر الناس على الإتيان بمثله، فامتناعهم جميعهم عن هذه المعارضة مع قيام الدواعي العظيمة إلى المعارضة من أبلغ الآيات الخارقة للعادات بمنزلة من يقول: إني آخذ أموال جميع أهل هذا البلد العظيم، وأضربهم جميعهم، وأجوعهم، وهم قادرون على أن يشكوا إلى الله، أو إلى ولي الأمر، وليس فيهم - مع ذلك - من يشتكي، فهذا من أبلغ العجائب الخارقة للعادة.

ولو قدر أن واحدًا صنف كتابًا يقدر أمثاله على تصنيف مثله، أو قال شعرًا، يقدر أمثاله أن يقولوا مثله، وتحداهم كلهم، فقال: عارضوني، وإن لم تعارضوني فأنتم كفار، مأواكم النار، ودماؤكم لي حلال، امتنع في العادة أن لا يعارضه أحد. فإذا لم


(١) دلائل الإعجاز في علم المعاني: (ص: ٣٩٠).
(٢) - إعجاز القرآن للباقلاني ص ٢٩ - ٣٠ وبيان إعجاز القرآن للخطابي ص ٢٠ - ٢١. ويُنظر: إعجاز القرآن للرافعي: (ص: ١٦٢).

<<  <   >  >>