للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد) (الزمر: ٢٣).

قال أحد زعماء المشركين وهو الوليد بن المغيرة: " فو الله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجز ولا قصيدة مني ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا. ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى عليه وإنه ليحطم ما تحته ". (١)

وهذه دلالة واضحة على أن الإعجاز في القرآن نابع من نظمه وذاته من اعتراف بلغاء المشركين والفضل ما شهدت به الأعداء.

ومثل الوليد بن المغيرة فعل نده من المشركين عتبة بن ربيعة إذ قال لقومه: " إني سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط. والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة واجعلوها لي، خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ .... ". (٢)

ولو لم يكن الإعجاز نابعًا من ذات القرآن وجهته، وليس من حائل خارجي يمسكهم عن القول إمساكًا ملزمًا، لما استعظموا القرآن هذا الاستعظام ووصفوه بما وصفوه، غير أنهم أحسوا أن القرآن فوق ما سمعوا وما يستطيعونه من الكلام روعة وجلالًا وجمالًا في ألفاظه ومعانيه.

دلائل أخرى تنفي القول بالصَّرْفَةِ:

أولاً- يلزم من قولهم إن العرب قد صرفوا عن هذا المستوى فحيل بينهم وبينه بحيث لم يحاولوه قط؛ أن حالهم في البلاغة والبيان وجودة النظم وشرف اللفظ قد تراجعت، فنقصت قرائحهم وأذهانهم وعدموا كثيرا مما كانوا يستطيعونه. وبالتالي فإنه يلزم منه أيضًا أن أشعارهم التي قالوها وخطبهم التي قاموا بها وكل تعابيرهم بعد الوحي جاءت قاصرة عما سمع منهم من قبل، فضاق عليهم مجال كان متسعًا، ونضبت مواردهم التي كانت غزيرة، وخذلتهم قوى كانوا بها يصولون. وبناء عليه فلا بد أن تخرج أشعار شعراء النبي التي امتدحوه بها ونددوا بالمشركين ناقصة متقاصرة عن شعرهم الجاهلي!؟

وبالتالي فإن التساؤل يدخل على هؤلاء القوم في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت (اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك) (٣) فكيف يكون مؤيدًا بعون الله في حين أن الله يعدمه كثيرًا من المواهب والقدرة التي كان يتمتع بها قبل!؟

وينبني على قولهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تقاصرت بلاغته أيضًا والذي يحكم به علماء اللغة والأدب - وهو حقيقة لا مرية فيها - أن آداب العرب زمن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم لم تكن قاصرة عن آداب الجاهلية بحال. بل إن الأمر أكثر من هذا فقد نزل القرآن بلغة فيها من قوة البيان والبلاغة والفصاحة، ما أشرقت بها للعرب بيانهم، وارتقت بها بلاغتهم، وأثمرت ثمارًا طيبة لم


(١) - يُنظر: المستدرك على الصحيحين للنيسابوري - كتاب التفسير - تفسير سورة المدثر - مدح كلام الله من لسان الكافر: مسألة: (١٥٠٦)، (٣٩٢٦)، قال النيسابوري: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه.، ورواه الحاكم: في كتاب التفسير (٣٨٧٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وصححه الألباني، يُنظر: صحيح السيرة النبوية ص ١٥٩. وضعفه الذهبي وحكم عليه بالإرسال كما في تاريخ الإسلام: (١/ ١٥٤) وقال: روي مرسلاً، وضعفه كذلك مقبل بن هادي الوادعي في صحيح أسباب النزول: (١/ ٢٦٢). وثبوت الأثر عند الباحث محل نظر، لوجود اضطراب لدى المحققين في ثبوته وصحته.
(٢) - وأثر: عتبة بن ربيعة ضعيف: وقد أخرج قصة عتبة بن ربيعة ابن إسحاق فيما ذكر ابن هشام (١/ ٢٩٣ - ٢٩٤) ومن طريقه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥). حديث رقم: (٥٣٦)، الاعتقاد إلى سبيل الرشاد للبيهقي: حديث رقم: (٢٦٢). والأثر: إسناده ضعيف لأن به موضع إرسال، وفيه أحمد بن عبد الجبار العطاردي وهو ضعيف الحديث.
(٣) - رواه الشيخان: البخاري، كتاب الأدب، باب هجاء المشركين، (٧/ ١٠٧) وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت رضي الله عنه، (٤/ ١٩٣٣)، وغيرهما …

<<  <   >  >>