للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قدرتهم عن الإتيان بمثله وأيضا يلزم من القول بالصَّرْفة فساد آخر وهو زوال الإعجاز بزوال زمان التحدي وخلو القرآن من الإعجاز وفي ذلك خرق لإجماع الأمة فإنهم أجمعوا على بقاء معجزة الرسول العظمى ولا معجزة له باقية سوى القرآن وخلوه من الإعجاز يبطل كونه معجزة". (١)

[٦ - الرافعي]

وعلى الجملة فإن القول بالصَّرْفة لا يختلف عن قول العرب فيه " يقول الرافعي:

(إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ) (المدثر: ٢٤)، وهذا زعم رده الله على أهله، وأكذَبهم فيه، وجعل القول به ضربًا من العمى .. (أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ) (الطور: ١٥)

فاعتبر ذلك بعضه ببعضه فهو كالشيء الواحد ". (٢)

وهذا القول: (يعني القول بالصَّرْفة) باطل من وجوه:

الوجه الأول: إنه لو صح لكان الإعجاز في الصرفة لا في القرآن ذاته، وهو باطل بالإجماع

الوجه الثاني: إنه لو صح لكان تعجيزًا لا إعجازًا؛ لأنه يكون بمثابة ما لو قطعنا لسان إنسان وكلفناه بالكلام، فهو من باب التعجيز وليس من باب العجز.

الوجه الثالث: قوله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الإسراء: ٨٨)، فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سُلِبوا القدرة لم يبق فائدة لاجتماعهم فإنه يصبح بمنزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى بالأمر الكبير الذي يُحتفل بذكره". (٣)

وإنَّ رواج تلك الفكرة يؤدي إلى أمرين

أولهما: إنَّ القرآن الكريم ليس في درجة من البلاغة والفصاحة تمنع محاكاته، وتعجز القدرة البشرية عن أن تأتي بمثله، فالعجز ليس من صفات القرآن الذاتية.

وثانيهما: الحكم بأنه ككلام الناس لا يزيد عليه شيء في بلاغته، أو في معانيه. (٤).

[٧ - الجرجاني]

و الجرجاني ممن قال ببطلان الصَّرْفة في " الشافية"

و يرد على من حصر التحدي في إعجاز القرآن في النظم واللفظ والمعنى فحسب فيقول:

" .... فإن قلت: فكيف الكلام عليهم، إذا ذهبوا في " الصَّرْفة " إلى الوجه الآخر، فزعموا أن التحدي كان أن يأتوا في أنفس معاني القرآن بمثل نظمه ولفظه؟ وما الذي دل على فساده؟ فإن على فساد ذلك أدلة منها قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات} [هود: ١٣]، وذاك أنا نعلم أن المعنى: فأتوا بعشر سور تفترونها أنتم وإذا كان المعنى على ذلك، فبنا أن ننظر في الافتراء إذا وصف المعنى، وإذا لم يرجع إلا إلى المعنى وجب أن يكون المراد: إن كنتم تزعمون أني قد وضعت القرآن وافتريته، وجئت به من عند نفسي، ثم زعمت أنه وحي من الله، فعضوا (٥) أنتم أيضًا عشر سور وافتروا معانيها كما زعمتم أني افتريت معاني القرآن (٦)، وفي موضع


(١) - الزركشي، أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله، البرهان في علوم القرآن، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركائه، الطبعة: الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، (ج ٢، ص ٩٤).
(٢) - إعجاز القرآن للرافعي: (ص: ١٠٣).
(٣) -يُنظر: محاضرات في علوم القرآن: (ص: ١٦٩) لـ: أ. د. صلاح الصاوي ود. محمد سالم
(٤) -المعجزة الكبرى القرآن: (ص: ٨).
(٥) "عضوا" من الاستعاضة- اِستِعاضة (اسم) مصدر اِسْتَعاضَ- يجب الاِسْتِعاضَةُ عَنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ آخَرَ: أَنْ تَجْعَلَ فِي مَكانِهِ شَيْئاً آخَر. يُنظر: معجم المعاني الجامع: مادة استعاضة.
(٦) - الجرجاني، أبو بكر عبد القاهر، بن عبد الرحمن، الرسالة الشافية، ضمن ثلاث رسائل في أعجاز القرآن، دار المعارف - مصر، (ط: ٣، ١٩٧٦ م) (ت: محمد خلف الله، د. محمد زغلول سلام)، ص ١٥٠

<<  <   >  >>