للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

المعارضة أصلًا، ولم يتوجهوا إليها، ولو توجهوا لاستطاعوا أن يأتوا بمثل القرآن.

المذهب الثاني- وقال به الشريف المرتضى، وابن سنان الخفاجي، ومن تبعهما، فقد ذهبوا إلى أن الله سلب العرب علومهم التي يحتاجون إليها في معارضة القرآن، والإتيان بمثله، ولو توجهوا لمعارضته لما استطاعوا أن يأتوا بمثل القرآن.

ولا شك في أن كل القولين مردود .. ولا يقوم على قدم، ولا يستوى على ساق، وسنسوق بين يديك مصداقًا من البرهان التفصيلي على انتقاض بنيان هذه القضية بأدلة منها:

١ - إجماع الأمة قبل ظهور القول بالصَّرْفة على أن إعجاز القرآن ذاتي … وقد حكى القرطبي الإجماع في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن)، فقال بعد أن ذكر قول القائلين بالصرفة: " وهذا فاسد، لأن إجماع الأمة قبل حدوث المخالف: أن القرآن هو المعجز، فلو قلنا: أن المنع و الصَّرْفة هو المعجز، لخرج القرآن عن أن يكون معجزًا، وذلك خلاف الإجماع، وإن كان كذلك، علم أن نفس القرآن هو المعجز، لأن فصاحته وبلاغته أمر خارق للعادة، إذ لم يوجد كلام قط على هذا الوجه، فلما لم يكن ذلك الكلام مألوفًا معتادًا منهم، دل على أن المنع والصَّرْفة لم يكن معجزًا ". (١)

٢ - أن الله تعالى وصف القرآن بأوصاف ذاتية تجعله في منزلة لاتصل إليها معجزات أخرى، فكانت هذه توجب أن إعجازه ذاتيًا، ولقد قال تعالى: (ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعًا) (الرعد: ٣١).

ويقول تعالى: (الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله. ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد) (الزمر: ٣٢).

وإذا كان القرآن بهذه الأوصاف التي وصفه الله بها منزله- سبحانه وتعالى- أفيقال بعد ذلك أن الناس يستطيعون أن يأتوا بمثله؟ اللهم إن هذا بهتان عظيم. (٢)

المبحث الثالث: ردُّ شُبهةِ القولِ بالصَّرْفَةِ وبيان بطلانها

وفيه ثلاثة مطالب

المطلب الأول: الرد على القائلين بالصَّرْفَةِ وبيان دلائل بطلانها

إذا رجعنا إلى المصدر الأصلي الذي أثبت إعجاز القرآن، وهو القرآن نفسه، واحتكمنا إليه في هذا؛ فإنا نجده يثبت الإعجاز لذات القرآن، لا للصرف عنه وذلك من أوجه كثيرة نذكر منها:

أولًا - أن الله قد تحداهم أن يأتوا بمثله، كما في قوله: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن


(١) - الجامع لحكام القرآن-لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي: (ت: ٦٧١ هـ) دار الكتب العلمية-بيروت ١٩٩٣ م-المجلد الأول ١ - ٢/ ص: ٥٤
(٢) -المعجزة الكبرى-القرآن- لمحمد أبي زهرة- دار الفكر العربي بالقاهرة: (ص: ٧٤).

<<  <   >  >>