للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ويحصل ما قصده من إيجاب الحجة؛ لأن من قدر على نظم كلمتين بديعتين لم يعجز عن نظم مثلهما، وإذا قدر على ذلك على ضمّ الثانية إلى الأولى، وكذلك الثالثة حتى يتكامل قدر الآية والسورة.

ونرى من هذا أنَّ القائلين بهذا القول يشككون في مرتبة القرآن وكونه من عند الله تعالى من غير أن يقدموا دليلًا، بل إنَّ القصد الذي يبدو من لحن القول والدعوى هو التشكيك المجرَّد في علوِّ البلاغة القرآنية، ومن وراء ذلك التشكيك ما يريدون من توهين ثم دعاوي بأنه من صنع محمد صلى الله عليه وسلم، وهكذا يسير الخط من الاحتمالات تنافي الواقع إلى توهين لأمر القرآن، إلى ادِّعاء أنه ليس من عند الله". (١)

[٣ - الخطابي]

أما الخطابي فقد رد القول بالصَّرْفة بعد أن بين معناها ووضح مفهومها ومقصدها عند من قال بها، ثم عقب ذلك بقوله:

" .... لأن دلالة الآية تشهد بخلافه، وهي قوله سبحانه {قُلْ لَئِنْ اجَتَمعَتِ الإنسُ والجِنُّ عَلى أَنْ يأتُوا بمثْلِ القُرآنِ لا يأتُونَ بمِثْلِهِ وَلوْ كانَ بَعْضُهمْ لبعضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء، ٨٨]، فأشار في ذلك إلى أمر طريقة التكلف والاجتهاد، وسبيله التأهب والاحتشاد، والمعنى في الصرفة التي وصفوها لا يلاءم هذه الصفة، فدل على أن المراد غيرها والله أعلم (٢).

والخطابي هنا يرد الصَّرْفة ويرد على القائلين بها بحجية آية التحدي في الإسراء، ومع ذلك فإن القائلين بها استدلوا بنفس الآية مع إنها حجة عليهم لا لهم، والخطابي حينما يستدل بآية الإسراء التي هي عمدة الاستدلال كأنه يشير إلى أن الآية واضحة الدلالة وواضحة المعاني لا تحتاج لزيادة تأويل.

[٤ - الإيجي]

يقول الإيجي: "لو سلبوا القدرة - أي العرب - كما قال به - الشريف الرضي - لعلموا ذلك من أنفسهم ولتناطقوا به عادة ولتواتر عنهم ذلك التناطق لجريان العادة بالتحدث بخوارق العادات لكنه لم يتواتر قطعًا". (٣).

[٥ - الزركشي]

أما الزركشي فيقول في " البرهان " في محض كلامه عن إبطال الصَّرْفة والرد على النَّظام ما يلي:

"إن الله صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم وكان مقدورا لهم لكن عاقهم أمر خارجي فصار كسائر المعجزات وهو قول فاسد بدليل قوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا} (الإسراء: ٨٨) فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم ولو سلبوا القدرة لم يبق فائدة لاجتماعهم لمنزلته منزلة اجتماع الموتى وليس عجز الموتى بكبير يحتفل بذكره هذا مع أن الإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن فكيف يكون معجزًا غيره وليس فيه صفة إعجاز بل المعجز هو الله تعالى حيث سلبهم


(١) - المرجع السابق: (ص: ٢٥).
(٢) - الخطابي، بيان إعجاز القرآن، ص ٢٣.
(٣) - الإيجي، عبد الرحمن بن أحمد، المواقف، دار الجيل - بيروت، (ط/ ١، ١٩٩٧) تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، (ج ٣، ص ٣٩٧).

<<  <   >  >>