للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ثم يقال: قد ثقل لسانه فما يكلم إخوانه، ولا يعرف جيرانه وعرق عند ذلك جبينك وتتابع أنينك، وثبت يقينك، وطمحت جفونك، وصدقت ظنونك، وتلجلج لسانك، وبكى إخوانك.

وقيل لك: هذا ابنك فلان، وهذا أخوك فلان، ومنعت من الكلام فلا تنطق، وختم على لسانك فلا ينطق، ثم حل بك القضاء، وانتزعت نفسك من الأعضاء، ثم عُرج بها إلى السماء، فاجتمع عند ذلك إخوانك، وأحضرت أكفانك، فغسلوك وكفنوك، فانقطع عوّادك واستراح حسادك، وانصرف أهلك إلى مالك، وبقيت مرتهنًا بأعمالك (١).

واعلم -رحمك الله- أن مما يعينك على التفكر في الموت ويفرغك له ويكثر اشتغالك به تذكر من مضى من إخوانك وخلاَّنك، وأصحابك وأقرانك، الذين مضوا قبلك وتقدموا أمامك، كانوا يحرصون حرصك ويسعون سعيك ويأملون أملك ويعملون في هذه الدنيا عملك، وقصت المنون أعناقهم، وقلعت أعراقهم وقصمت أصلابهم، وفجعت فيهم أهليهم وأحباءهم، فأصبحوا آية للمتوسمين وعبرة للمعتبرين (٢).

فالموت قد عدل .. ساوى بين الملك والصغير والكبير، يدخل الغرف الصغيرة .. ولا يرده حاجب القصور الكبيرة .. أفنى من ملكوا


(١) الإحياء: (٣/ ٢٢٥).
(٢) العاقبة: (٥٠).

<<  <   >  >>