للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ضرب من الاتساع، والخبر أولى بذلك من المبتدأ؛ لأن الاتساع بحذف الأعجاز أولى منه بحذف الصدور.

وقد حذف المضاف مكررًا في قوله تعالى: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ} ١.

أي: من أثر حافر فرس الرسول.

وهذا الضرب أكثر اتساعا من غيره.

ومما جاء منه شعرا قول بعضهم٢ من شعراء الحماسة:

إذا لاقيت قومي فاسأليهم ... كفى قوما بصاحبهم خبيرا٣

هل اعفو عن أصول الحق فيهم ... إذا عسرت وأقتطع الصدورا٤

أراد: أنه يقتطع ما في الصدور من الضغائن والأوغام٥؛ أي يزيل ذلك بإحسانه من عفو وغيره، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.

أما حذف المضاف إليه، فإنه قليل الاستعمال.

فمما جاء منه تعالى: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} ٦، أي: من قبل ذلك ومن بعده.

وربما أدخل في هذا الموضع ما ليس منه، كقوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} ٧، قيل: أراد ظهر الأرض، فحذف المضاف


١ سورة طه: الآية ٩٦.
٢ لم ينسبها أبو تمام في ديوان الحماسة ٢/ ٢٧٣، ونقل التبريزي عن أبي هلال، أن البيتين لجثامة بن قيس أخي بلعاء بن قيس أحد بني أبي بكر بن كلاب، ومن شعرائهم، وكان رئيسًا على قبيلته يوم الفجار الثاني، لما قتل أخوه بلعاء بن قيس.
٣ رواية ديوان الحماسة "كفى قومي" موضع "كفى قوما"، وقوله: "بصاحبهم" يعني به نفسه.
٤ أراد بقوله: "أصول الحق" أي، وبقوله: "اقتطع الصدور أي: آخذ ما سهل مأخذه، والمعنى: إن سألت عن حقيقتي فاسألي قومي، فإنهم أخبر بصاحبهم. ولو سألتهم عن حسن معاملتي لهم، ورأفتي بهم لأخبروك بأني أتسامح بما يجب لي عليهم من الحقوق، وآخذ اليسير منها، ولا أستقصي في تقاضيها.
٥ الأوغام جمع وغم، ومن معانيه المناسبة هنا، الحرب، والترة، والحقد الثابت في الصدر.
٦ سورة الروم: الآية ٤.
٧ سورة فاطر: الآية ٤٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>