للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ما في زمانك هذا من تصاحبه ... ولا صديق إذ حان الزمان وفى

فعش فريداً ولا تركن إلى أحد ... فقد نصحتك نصحاً بالغاً وكفى

وقال الأرجاني:

تطلعت في يومَيْ رخاء وشدة ... وناديت في الأحياء هل من مساعد

فلم أرَ فيما ساءني غير شامت ... ولم أرَ فيما سرني غير حاسد

وقال غيره:

خبرت بني الأيام طراً فلم أجد ... صديقاً صَدُوقاً مسعداً في النوائب

وأصفيتهم منّي الودادَ فقابلوا ... صفاء ودادي بالقَذى والشوائب

وما اخترت منهم صاحباً وارتضيته ... وأحمدته في فعله والعواقب

وقال آخر:

نحن والله في زمان غشوم ... لو رأيناه في المنام فزعنا

أصبح الناس فيه من سوء حال ... حقّ من مات منهم أن يهنّا "

وقول الآخر:

أنعى إليك خلال الخير قاطبة ... لم يبقَ منهنّ إلاّ دارس العلم

أنعى إليك مواساة الصديق وما ... قد كان يرعى من الأخلاق والذمم

أين الوفاء الذي قد كان يعرفه ... قوم لقوم وأين الحفظ للحُرم

أين الجميل الذي قد كان يلبسه ... أهل الوفاء وأهل الفضل والكرم

أيسر وأنت صديق الناس كلهم ... ثمَّ ابلُ سرّهم في حالة العدم

فإن وجدت صديقاً عند نائبة ... فلست من طرقات الحزم في أمم

لما أناخ عليَّ الدهر كلكله ... وخانني كل ذي ود وذي رحم

ناديت ما فعل الأحرار كلهم ... أهل الندى والهدى والبعد في الهمم

قالوا حدا بهم ريب الزمان فسل ... أجداثهم عنهم تخبرك عن رمم

وقول لبيد:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب

وتمثلت به أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - ثم قالت: وكيف لو أدرك لبيد زماننا؟ فقال عروة: كيف لو أدركت عائشة زماننا؟ ولما بلغ ابن عباس قول عائشة هذا قال: رحم الله لبيداً ورحم الله عائشة، لقد أصيب باليمن سهم في خزائن عاد كأطول ما يكون من رماحكم هذه مفَوَّق مَرِيش مكتوب عليه: " هذا ":

ألا هل إلى أبيات منقطع اللوى ... لوى الرمل من قبل الممات معاد

بلاد بها كنا وكنا منَ أهلها ... إذِ الناس ناس والبلاد بلاد

أي فهذا العاديّ " في زمانه " يستنقص زمانه ويشير إلى أن الناس الأفاضل قد مضوا وأن الأرض تغيرت فكيف حال زمان لبيد ومن بعده كزمان عائشة.

وقد تحصل من هذا ما قررنا في صدر الكلام " من " أن الدنيا لم تزل هكذا، والناس هم الناس مند خلقوا. " ولقد أحسن القائل:

قل لمن لا يرى المعاصر شيئاً ... ويرى للأوائل التقديما

إن هذا القديم كان جديداً ... وسيبقى هذا الجديد قديماً "

فالأكمل للإنسان التسليم بل الرضى بوقته فإنه بذلك يفوز بالأدب مع الله تعالى الحكيم العليم الذي هو رب الأولين والآخرين ويفوز بشكره وحمده وبراحة قلبه والسلامة من التشوف والتطلع وسلامة الصدر لأهل زمانه والقيام بحقوقهم واعتقاد الخير في أهله والانتفاع بهم ورؤية المحاسن الوقتية والتغافل عن المساوي وغير ذلك.

ولقد منح الله تعالى الصحابة الزمان الفاضل، فكانوا يذكرون ما مضى لهم في الأزمنة السالفة من صنوف الشر من عبادة الأوثان وارتكاب القبائح والجهد الجهيد فيحمدون الله تعالى ويشكرونه، وهكذا ينبغي للمؤمن أن ينظر إلى ما منحه الله تعالى من الخير في زمانه ديناً ودنيا وإلى ما أنجاه الله تعالى " منه " من الشرور الحالية والماضية فيحمد الله على ذلك.

وقد جرت على لساني في هذا المعنى أبيات فقلت " مناقضاً لما تقدم من الأشعار ":

نحمد الله وقتُنا وقتُ خير ... بذَّ ما قبله من الأوقات

غير وقت النبي صلى عليه ال ... له والصحب والتُّلاة الهداة

ديننا سالم من البدع العُم ... ي وعشنا بطيّب الأقوات

لم تكن كالشرَاة نغشى المعاصي ... لتفوز بالخلد في الغُرُفات

ضيعوا الدين بالمروق ودنيا ... هم بوقع الظبّات في السبدات

لا ولا كالجبري والقدري النج ... س ولا سائر الجفاة الغواة

والذي قد نلقى من المُرّ في الدن ... يا عسى أن نرقى به درجات

وبنو الدهر هم بنو الدهر قِدْماً ... هم نبات ينمو بإثر

<<  <   >  >>