للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

من الهدوء والمسالمة للمسلمين والعدوان على الظالمين المعتدين.. ونحن إذا استقصينا كل مواقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع أعدائه فإنا لا نجد فيها بدءًا بهجوم١ أو عدوانًا، وإنما نراها جميعًا ردًّا للظلم والعدوان ... فغزوة بدر مثلًا -وهي الغزوة الكبرى الأولى في الإسلام- لم تكن عدوانًا من جانب المسلمين، وإنما كانت لرد الظلم والعدوان السابقين، وهي -في واقع الأمر- دفاع عن النفس والمال والوطن.

ولا غرو فقد أخرج المسلمون من ديارهم بغير حق، إلا أنهم قالوا: ربنا الله، وكان عليهم بعد أن اكتملت لهم أسباب القوة في المدينة أن يثبتوا وجودهم يردوا الظلم الذي أصابهم، ولذا أمرهم الله بالقتال، ووصفهم بأنهم يقاتلون -أي: يقاتلهم غيرهم- ووصفهم كذلك بأنهم ظلموا، لأن العدوان قد أصابهم من قبل.

فقال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} ٢.

ثم تتابعت غزوات الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكان المشركون هم الذين يبدءون دائمًا بالشر


١ ليس الأمر على إطلاقه هكذا، بل إنه -صلى الله عليه وسلم- أغار على بني المصطلق وهم غارّون، ولكن المراد أنه لا يبتدئ أناسًا بالحرب قبل دعوتهم للإسلام، وإعلامهم بما له من حق قتالهم إن لم يدخلوا في الإسلام أو يدفعوا الجزية، بحسب حالهم إن كانوا مشركين أو أهل كتاب.
٢ سورة الحج، الآيتان ٣٩-٤٠.

<<  <   >  >>