للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

- ١٣ -

سمعت الفقيه الحافظ أبا محمد علي بن أحمد يقول (١) : " مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة، فإنه لما ولي قضاء القضاة أبو يوسف كانت القضاة من قبله، فكان لا يولي قضاء البلاد من أقصى المشرق إلى أقصى أعمال إفريقية إلا أصحابه والمنتمين إلى مذهبه، ومذهب مالك بن أنس عندنا فإن يحيى بن يحيى (٢) كان مكيناً عند السلطان، مقبول القول في القضاة، فكان لا يلي قاضٍ في أقطارنا إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه، والناس سراع إلى الدنيا والرياسة، فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به. على أن يحيى بن يحيى لم يلِ قضاء قط ولا أجاب إليه، وكان ذلك زائداً في جلالته عندهم، وداعياً إلى قبول رأيه لديهم، وكذلك جرى الأمر في أفريقية لما ولي القضاء بها سحنون بن سعيد، ثم نشأ الناس على ما أنشر ".

- ١٤ -

قال لنا أبو محمد علي بن أحمد (٣) : توفي أبو عامر ابن شهيد ضحى يوم الجمعة آخر يوم من جُمادى الأولى، سنة ست وعشرين واربعمائة بقرطبة، ودفن يوم السبت ثاني يوم وفاته في مقبرة أم سلمة، وصلى عليه جهور بن محمد بن جهور أبو الحزم، وكان حين وفاته حامل لواء الشعر والبلاغة، لم يخلف لنفسه نظيراً في هذين العلمين جملة. مولده سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، ولم يعقب وانقرض عقب الوزير [أبيه] بموته. وكان جواداً لا يليق شيئاً ولا يأسى على فائت، عزيز النفس مائلاً إلى الهزل. وكان له من علم الطب نصيب وافر، وكانت علة أبي عامر ضيق النفس والنفخ، ومات في ذهنه وهو يدعو الله عز وجل، ويشهد شهادة التوحيد والإسلام. وكان أوصى أن يصلي عليه أبو عمر الحصار الرجل الصالح، فتغيب إذ دعي، وأوصى أن يسن عليه التراب دون لبن ولا خشب فأغفل ذلك.


(١) الجذوة ٣٦٠ - ٣٦١ (والبغية رقم: ١٤٩٧) .
(٢) يحيى بن يحيى الليثي تلميذ مالك بن أنس (توفي سنة ٢٣٤) انظر الجذوة ٣٥٨ - ٣٦١ وابن الفرضي ٢: ١٧٦.
(٣) الجذوة: ١٢٧ (والبغية رقم: ٤٣٧) .

<<  <  ج: ص:  >  >>